- أمتلك محل موبايلات، وقد أجرت مؤخرًا شقة سكنية بإحدى المدن الجديدة لمدة سنة، واتفقت مع مالكها على أن أدفع أجرتها هاتفًا محمولًا معينًا، فما حكم دفع الأجرة عينًا لا نقدًا ؟.
- من المقرر شرعًا أن الأصلَ فى العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشرعُ أو نهى عنه، وأنَّ الأحكامَ الفقهيةَ المتعلقة بالمعاملات المالية وغيرها، إنما شُرِعت لتحقيق منافع الخلق وتلبية احتياجاتهم من خلال تلك المعاملات، ومطلوبُ صاحبِ الشرعِ التيسيرُ ورفعُ الحرج والمشقةِ عن الناس.
اقرأ أيضًا: النوم جالسًا والوضوء
ومن العقود المشروعة لقضاء حاجة الناس على وجه يحقق المصلحة والعدل فيما بينهم عقد الإجارةِ؛ وهو عقد على منفعة مقصودة معلومة، مقدورًا على تسليمها، مباحةَ الانتفاعِ بها، فى مقابل عوض معلوم على وجه يرفع الجهالة ويمنع التنازع.
قال العلامة الخطيب الشربيني فى «مغني المحتاج» فى تعريف عقد الإجارة: [هو عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعِوَض معلوم] .
فهو من ضرورة الخليقة، ومصلحة الخُلطة بين الناس، والأصل فى مشروعيته قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 26- 27].
وقد دلت السنة النبوية على مشروعية الإجارة، وذلك فيما رواه الإمام البخاري عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت: «وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، هَادِيًا خِرِّيتًا، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ».
والأجرة من أركان عقد الإجارة على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، ويشترط كونها معلومة للعاقدين، وذلك أن عقد الإجارة من عقود المعاوضة، والمنفعة إنما تُبذل فى مقابل الأجرة، وإذا كان يشترط فى عقد الإجارة علم المستأجر بالمنفعة والتي سوف يبذل المال فى تحصيلها، فإنه يشترط فى حق المؤجر أن يعلم بالأجرة التي رضي أن يبذل منفعته للمستأجر فى مقابلها، فالعلم بالأجرة يأخذ حكم العلم بالمنفعة؛ لأنها أحد العِوَضين.
والأصل فى ذلك ما رواه البَيْهَقِي، وابن أبي شَيْبة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَمَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ». وعلى هذا ذهب جمهورُ الفقهاءِ، وتظاهرت نصوصهم، وتضافرت عباراتُهم على اشتراطِ كونِ الأجرةِ معلومةً فى عقدِ الإجارةِ
قال العلامة ابن مودود الموصلي الحنفى فى «الاختيار» : [وكل جهالة تُفسِد البيع تُفسِد الإجارة من جهالة المعقود عليه أو الأجرة أو المدة لِمَا عُرف أن الجهالة مفضية إلى المنازعة، والأصل قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» شرط أن تكون الأجرة معلومة كما شرطه فى البيع] .
وقال العَلَّامة شمس الدين الرملي الشافعي فى «نهاية المحتاج» : [(ويشترط) لصحة الإجارة (كون الأجرة معلومة) جِنسًا وقَدْرًا وصفةً] .
أما عن اعتبار العين كالهاتف المحمول أجرة تدفع بدلا عن الثمن، المال، المتعارف عليه، فجمهور الفقهاء على جواز دفع الأجرة فى صورة عينية؛ حيث إن كل ما صح أن يكون ثمنًا فى البيع صحَّ أن يكون أجرة فى الإجارات سواء كان نقدًا أو عينًا، ولذلك اشترط الجمهور فى الأجرة ما اشترط فى الثمن، وعلى هذا تطابقت أقوال الفقهاء وتواردت عباراتهم.
قال العلامة الزَّيْلَعِي الحنفى فى «تبيين الحقائق»: [(وما صح ثمنا صح أجرة)؛ لأن الأجرة ثمن المنفعة فتعتبر بثمن المبيع، ثم إن كانت الأجرة عينًا جاز كل عين أن يكون أجرة كما جاز أن يكون بدلًا فى البيع] .
بناءً على ذلك يجوز فى الإجارة أن تكون الأجرة عينًا، كهاتف محمول معين، طالما أنه معين ومعلوم بما ينفى الجهالة عنه، وتوافقت إرادة الطرفين على ذلك.



