بقلم : د.هويدا عبد المنعم
أخصائي الصحة النفسية
يُعدُّ الإنسان كائنًا يسعى دائمًا إلى الطمأنينة والاستقرار النفسي، ولذلك جاءت النصوص الشرعية مؤكدةً على أهمية صلاح البال باعتباره نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على عباده. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله سبحانه: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾، حيث يشير مفهوم "البال" إلى حال النفس والفكر والقلب، وما يصيبها من مشاعر وأفكار تؤثر في سلوك الإنسان وحياته.
ومن المنظور النفسي، يُقصد بصلاح البال حالة الاتزان الداخلي التي يعيشها الفرد عندما يكون متصالحًا مع نفسه، قادرًا على إدارة انفعالاته، ومتمتعًا بدرجة مناسبة من الرضا والسكينة. فالشخص الذي ينعم بصلاح البال يكون أقل عرضة للقلق والتوتر والاضطرابات النفسية، وأكثر قدرة على مواجهة ضغوط الحياة وتحدياتها.
اقرأ أيضا: ميزان التربية
وتؤكد الدراسات النفسية الحديثة أن الصحة النفسية لا تعني غياب المشكلات فحسب، بل تتمثل في القدرة على التكيف الإيجابي مع الظروف المختلفة، والشعور بمعنى للحياة، والتمتع بعلاقات اجتماعية سليمة. وهذه المعاني تتوافق مع الدلالة القرآنية لصلاح البال ، إذ إن المؤمن الذي يثق بالله تعالى ويستشعر معيته يجد في قلبه سكينة تساعده على تجاوز المحن والأزمات.
وتؤكد المدرسة الإنسانية في علم النفس، التي ارتبطت بأفكار علماء مثل أبراهام ماسلو وكارل روجرز، أن الإنسان السوي هو من يحقق التوافق بين احتياجاته وقيمه، ويشعر بالانسجام الداخلي. وهذا المعنى قريب من الدلالة القرآنية لصلاح البال؛ فالمؤمن عندما يعيش وفق منظومة من القيم والإيمان واليقين بالله، يحقق نوعًا من التوازن النفسي الذي ينعكس على سلوكه ونظرته للحياة.
كما أن علم النفس الإيجابي، الذي يُعنى بدراسة السعادة والرفاه النفسي ونقاط القوة الإنسانية، يربط بين الشعور بالمعنى والتفاؤل والامتنان وبين ارتفاع مستوى الصحة النفسية. وقد أثبتت الدراسات أن الأشخاص الذين يمتلكون هدفًا واضحًا في حياتهم ويتمتعون بنظرة إيجابية للمستقبل يكونون أكثر قدرة على مقاومة الضغوط النفسية. وهذه النتائج تتوافق مع الرؤية الإسلامية التي تجعل الإيمان والعمل الصالح مصدرًا للسكينة والطمأنينة، وهو ما ينعكس في صلاح البال.
ومن جانب آخر، تشير نظرية العلاج المعرفي إلى أن الأفكار التي يحملها الإنسان عن نفسه وعن العالم تؤثر بشكل مباشر في حالته النفسية. فالأفكار السلبية والمتشائمة تؤدي إلى القلق والاكتئاب، بينما تساعد الأفكار الواقعية والإيجابية على تحقيق الاستقرار النفسي. ومن هنا يمكن فهم أثر الإيمان والذكر والدعاء في إصلاح البال؛ إذ تسهم في تعديل طريقة التفكير وتعزيز مشاعر الأمل والثقة والرضا.
إن صلاح البال لا يتحقق فقط بتوافر الظروف المادية المناسبة، بل يرتبط بدرجة كبيرة بالحالة الداخلية للإنسان وقدرته على إيجاد المعنى والسكينة في حياته. لذلك فإن الآية الكريمة ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ تقدم رؤية متكاملة للصحة النفسية تجمع بين الإيمان والاتزان الانفعالي
والتفكير الإيجابي. وهكذا تلتقي نتائج علم النفس الحديث مع التوجيه القرآني في التأكيد على أن الطمأنينة الداخلية والاستقرار النفسي هما أساس السعادة الحقيقية وجودة الحياة.
صلاح البال هو الجسر الذي يعبر عليه الإنسان من شتات التفكير وضياع القلق إلى رحابة السكينة والرضا. إنه الهبة الإلهية التي إذا رزقها العبد، ملك الدنيا بحذافيرها، واستطاع أن يواجه العالم بقلبٍ مطمئن وعقلٍ مستنير .



