كان للبدو قديمًا حكمة شهيرة تقول: «الرمح غالٍ... والفريسة ذبابة». وهي حكمة تختصر كثيرًا من المعاني، فليس كل ما يستفزك يستحق أن تخوض لأجله معركة، وليس كل خلاف يستوجب أن تستهلك فيه وقتك وطاقتك وعقلك.
فكثير من الناس يدخلون معارك جانبية مع أشخاص أو مواقف لا قيمة حقيقية لها، ثم يكتشفون بعد سنوات أنهم خسروا أعمارهم فيما لا يضيف إلى حياتهم شيئًا.
وقد حثنا ديننا الحنيف على حسن تقدير الأمور، وإعطاء كل أمر قدره، وعدم الانشغال بما لا ينفع. قال الله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١].
فالعبد يعلم أن الأرزاق والآجال والنتائج كلها بقدر الله، فلا يستهلك نفسه في خصومات عبثية، ولا يجعل حياة الآخرين تتحكم في مساره.
وليس معنى ذلك ترك الأخذ بالأسباب أو السكوت عن الحق، وإنما الحكمة أن يفرق الإنسان بين معركة تستحق الثبات، وأخرى لا تزيده إلا استنزافًا.
وقد قال النبي ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ».
فكم من إنسان تعطلت خططه، وتشتت فكره، وتأخر عن أهدافه لأنه انشغل بالرد على كل صوت، والدخول في كل جدال، وملاحقة كل خصومة.
فاختر معاركك بعقل، وتذكر أن العمر أقصر من أن يُهدر في مطاردة الأوهام، وأن ما كتبه الله لك سيأتيك في وقته، فلا تُزِح نفسك عن طريقك الحقيقي، وتوكل على الله في كل أمورك، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وكفى بالله وكيلًا.



