الأمان النبوي

سوزان العباسي
سوزان العباسي

فى ختام شهر ذي الحجة المبارك، ونحن نودع عامًا هجريًا ونستقبل عتبات عام جديد، نلتقي لنرسخ معًا عالمية الإسلام، وفقه التسامح، وقيم بناء الأوطان، كركائز أساسية لاستقرار المجتمعات البشرية، وتحقيق السلام الإنساني، والوصول إلى المقصد الأسمى لشريعتنا الغراء.

وهذا المنهج الأزهري القويم هو ما يؤكده وينادي به دائمًا فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، فى جميع المحافل الدولية والوطنية؛ حيث يعلمنا فضيلته أن الأوطان لا يمكن أن تستقر إلا بترسيخ الأخوة الإنسانية، والتعايش المشترك، ونبذ خطابات الكراهية والتفكيك.

اقرأ أيضًا: منهاج القلوب البيضاء - فقه الإنسانية بعد موسم الحج ٦

إن رسالة جدي المصطفى صلى الله عليه وسلم لم تكن يومًا رسالة إقصاء أو انغلاق، بل جاءت صيحة عالمية تكسر حواجز الألوان والبلدان لتجمع القلوب تحت راية التقوى؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

ومن هذا المنطلق الشريف، أرسى النبي صلى الله عليه وسلم فقه التسامح والتعايش كقواعد صلبة لبناء الأوطان؛ فالمواطنة الصالحة فى المفهوم المحمدي، والتي يجدد الأزهر الشريف الدعوة إلى التمسك بها اليوم تعني إعلاء المصلحة العامة، وحفظ العهود، وصيانة الحرمات، وتوجيه جميع الطاقات نحو التعمير والبناء لا الهدم والتشكيك.

إن التسامح فى الهدي النبوي ليس ضعفًا أو تراجعًا عن الثوابت، بل هو ذروة القوة الفكرية والأخلاقية؛ فهو المنهج السامي الذي يجمع القلوب على البناء، ويحول التنوع البشري إلى مصدر ثراء وقوة للوطن، إن الأوطان لا تُبنى بالشعارات ولا بخصومات الألسنة، وإنما تُبنى بالنفوس المتسامحة والعقول المستنيرة التي تترجم إيمانها إلى إتقان وعطاء، وتجعل من قيم الإسلام واحة يتفيأ ظلالها الجميع أمانًا وعدلًا ورحمة.

لنختم هذا العام المبارك بتجديد العهد مع المنهج النبوي، جاعلين من التسامح أسلوب حياة، ومن بناء الوطن غاية دينية ووطنية عظمى.

رسالة المشكاة: «اجعلوا من فقه التسامح النبوي جسرًا لبناء الأوطان، وطهروا قلوبكم من الأحقاد لتبلغوا سلام الدارين؛ واعلموا أن عالمية الإسلام تتجلى فى إحسان المعاملة وعمران الأرض، فكونوا رسل خير ورحمة أينما حللتم».