بقلم/ محمود مالك
فى قلب مدينة أسيوط القديمة، وبين صخب الأسواق وحركة المارة اليومية، يقف مسجد العارف بالله الشيخ محمد المجذوب شاهداً على قرون من التاريخ، بينما يمر الآلاف يومياً بميدان يحمل اسمه دون أن يعرف كثير منهم من يكون صاحب المقام الذي خلدت المدينة ذكراه، وعلى مقربة من المسجد، تنتصب لافتة أثرية تشير إلى «جبانة المجذوب الأثرية»، فيما لا تزال سيرة الشيخ نفسه غائبة عن ذاكرة الأجيال، رغم ارتباطه بأحد أشهر علماء المسلمين، الإمام جلال الدين السيوطي، الذي حفظ التاريخ جانباً من فضله وأثره.
تبدأ الحكاية فى عام 849 هـ، حين وُلد الطفل الذي سيصبح لاحقًا الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، يروي السيوطي بنفسه أن والده حمله بعد ولادته إلى الشيخ محمد المجذوب، أحد كبار أولياء وعلماء عصره، طالباً دعاءه لولده، استقبل الشيخ المولود الجديد، وبارك له، ودعا أن يكون من أهل العلم والصلاح والتقوى، وهي الدعوة التي يرى المؤرخون أنها تحققت بصورة استثنائية، بعدما أصبح السيوطي واحدًا من أعلام الفكر الإسلامي وأكثرهم إنتاجًا وتأليفاً، ولم يقتصر دور الشيخ المجذوب على الدعاء فحسب، بل كان أول من تلقى السيوطي على يديه مبادئ حفظ القرآن الكريم، قبل أن يتوفى الشيخ والعالم الصغير لم يبلغ العاشرة من عمره، لينتقل بعدها إلى حلقات العلم التي صنعت شخصيته العلمية الفريدة.
اقرأ أيضًا: دورة توعوية بازهر اسيوط حول قلق الاختبارات وطرق المذاكرة
ورغم هذه المكانة العلمية والروحية، فإن المصادر التي تناولت حياة الشيخ محمد المجذوب قليلة للغاية، حتى أن معظم ما وصل إلينا عنه جاء من خلال ما ذكره السيوطي فى مؤلفاته، وتشير الروايات التاريخية إلى أن الشيخ كان من علماء عصره المشهود لهم بالفقه والورع، وكان يتردد على القاهرة ويجلس بجوار المشهد النفيسي بالقرب من مقام السيدة نفيسة، حيث عُرف بين أهل زمانه بالصلاح والزهد والعلم، ويبدو أن الشيخ كان قد بلغ منزلة كبيرة قبل منتصف القرن التاسع الهجري، ما يرجح أنه عاش فى فترة شهدت ازدهار الحركة العلمية والدينية فى صعيد مصر، قبل أن يرحل عن الدنيا بسنوات طويلة سبقت نهاية الألفية الهجرية الأولى.
تاريخ المدينة
يقع مسجد الشيخ محمد المجذوب فى واحد من أقدم المواقع التاريخية بمدينة أسيوط، عند المدخل التقليدي للمدينة القديمة المعروفة باسم "غرب البلد"، وهي المنطقة التي احتضنت عبر قرون طويلة النشاط التجاري والديني والاجتماعي للمدينة، وتحمل المنطقة بأكملها اسم الشيخ، بداية من الميدان الشهير وحتى الجبانة المجاورة للمسجد، فى دلالة على المكانة التي احتلها فى وجدان أهالي أسيوط عبر الأجيال، وتكشف سجلات محكمة أسيوط الشرعية عن وثيقة تعود إلى عام 1104 هجرية، الموافق 1695 ميلادية، تتضمن إشارة إلى وقف يحمل اسم محمد المجذوب، وهو ما يؤكد استمرار حضوره وتأثيره بعد وفاته بسنوات طويلة، ولم يكن ميدان المجذوب مجرد ساحة دينية أو أثرية، بل لعب دورًا اقتصادياً وتاريخياً بالغ الأهمية فى حركة التجارة العابرة للقارات، ففى هذا المكان كانت تتوقف القوافل القادمة عبر "درب الأربعين"، الطريق التجاري الشهير الذي ربط أسيوط ببلاد السودان ووسط أفريقيا والمغرب العربي لقرون طويلة، وكان التجار والمسافرون يحطون رحالهم فى ساحة الميدان أياماً عدة للراحة وعقد الصفقات التجارية وشراء احتياجاتهم، بينما تستريح الجمال القادمة من أعماق القارة الأفريقية أمام المسجد، لتتحول المنطقة إلى واحدة من أشهر محطات التجارة فى صعيد مصر.
ولا تزال القبة الضريحية الملحقة بالمسجد تستقبل الزائرين حتى اليوم، حيث يتوسطها قبر الشيخ محمد المجذوب داخل حجرة مربعة تعلوها تركيبة خشبية بسيطة خالية من الزخارف، كما كان المسجد يضم فى الماضي سبيلاً للمياه وكُتاباً لتعليم الأطفال القرآن الكريم، قبل أن تختفى بعض هذه المعالم مع أعمال التجديد التي شهدها عبر العقود، وتشير لوحة رخامية مثبتة داخل المسجد إلى أن عثمان غالب باشا مدير أسيوط، قام بتجديد الجامع فى أواخر القرن الثالث عشر الهجري، حيث بدأت الأعمال عام 1298 هجرية واكتملت عام 1300 هجرية، ليواصل المسجد أداء دوره الديني والتاريخي حتى يومنا هذا.
ذاكرة تستحق الإحياء
ورغم مرور مئات السنين على رحيل الشيخ محمد المجذوب، فإن سيرته لا تزال حاضرة فى أسماء الشوارع والميادين والأوقاف والمسجد الذي يحتضن مقامه، فصار ذلك الطفل أحد أعظم علماء الإسلام وكيف تحول اسم الشيخ إلى عنوان لميدان شهير وجبانة أثرية، بينما تلاشت تفاصيل حياته من كتب التاريخ.



