قراءة في كتاب تراثي

نشر الأنفاس في فضائل زمزم وسقاية العباس لـخليفة بن أبي الفرج الزمزمي 1 - 2

د. محمد سالمان
د. محمد سالمان

بقلم: د. محمد سالمان

اشتهرت بعض الينابيع والآبار والأنهار بشهرة دينيّة، أو ميزة صحيّة، أو معتقدات شعبيّة، فيلتفّ الناس حولها يعبّون الماء عبًّا، ولا أظنّ أن ماءً وصلت أهميّته وقداسته إلى ما وصل إليه ماء بئر زمزم؛ فهو طعام طُعم، وشفاء سُقم، من شرب منه برئ من الأسقام، وتعافى من الآلام، ويوغل في التاريخ لعصر أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام.

اقرأ أيضا| " البيان والتبيين "  للجاحظ
والحديث عن ماء بئر زمزم وفوائده حديث يطول؛ لما له من الأسرار والفضائل، فهو نعمة عظمى وآية كبرى، ولذا قال عنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "ماء زمزم لما شُرب له".

اعتنى العلماء بالكتابة عن البئر ومائه وأخباره وأسراره، فلم يُكتب كتاب في تاريخ مكة المكرمة إلا وقد كتب صاحبه عن بئر زمزم، ما بين مُقلٍّ ومُكثر، ومنهم من أفرد زمزم بكتاب أو رسالة. وصل إلينا بعض تلك الرسائل، والآخر ضاع مع ما ضاع من تراثنا العربي. من تلك الكتب: الجواهر المكنونة في فضائل المضنونة لـجمال الدين بن ظهيرة (ت 817 هـ)، والتزام ما لا يلزم فيما ورد في ماء زمزم لـابن طولون (ت 953 هـ)، والجوهر المنظّم في فضائل ماء زمزم لـشمس الدين أحمد بن محمد بن آق الحنفي (ت 1165 هـ)، والإعلام الملتزم بفضائل زمزم لـأحمد بن علي الغزي (ت 1179 هـ)، غير أن كتاب نشر الأنفاس في فضائل زمزم وسقاية العباس يُعدّ أوسع تلك الكتب علمًا، وأكثرها شمولًا.

ولا يُعدّ الكتاب واحدًا من كتب فضائل البئر فقط، إنما تعدى ذلك إلى معلومات مهمّة ومفيدة، وموضوعات تاريخية جديدة تتعلّق ببعض الأخبار السياسية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى ما يضمّه الكتاب من قضايا فقهيّة، وكذا معلومات دقيقة تتعلّق بعمارة بيت الله الحرام وتوسعته إبان العصر العثماني.

كانت طريقة خليفة بن أبي الفرج الزمزمي في تعامله مع المصادر على أكثر من وجه؛ فهو عندما ينقل من كتاب يحدّد بداية النقل، ويحدّد نهايته بقوله: "انتهى"، وكان حريصًا على ذكر اسم صاحب المصدر الذي ينقل منه، ونادرًا ما يستغني عنه ويكتفي بذكر اسم المصدر فقط، كأن يقول: "قال صاحب مثير شوق الأنام...".

وأحيانًا أخرى يذكر اسم المؤلّف مختصرًا دون ذكر المصدر، كأن يقول: "ذكر الفاسي..."، ويوضّح الزمزمي أثناء نقله نوعية النقل، إن كان حرفيًّا أو بالمعنى، كأن يقول مثلًا: "انتهى ما نُقل بحروفه"، أو يقول في موضع آخر: "قال فلان بما معناه".
وإذا ورد المصدر مرة أخرى، فلا يُكرّر عناوين الكتب والبيانات المتعلّقة بها، لكنه يكتفي بذكر اسم المؤلّف، فيقول مثلًا: "قال الشيخ شهاب الدين أحمد بن حسن التاشكندي في كتابه المتقدّم...".

ولم يعطِ الزمزمي عنايته بالمصادر المكتوبة فقط، إنما اعتمد أيضًا على المصادر الشفهيّة؛ فقد اعتمد على رواة ذكروا له بعض المعلومات مشافهة، ونقلها عنهم وسجّلها في كتابه، ويبدو أنّه كان يشترط في قبول الرواية التي تلقّاها مشافهة توفّر صفة الثقة والعدالة في راويها.

مثال ذلك ما نقله من معلومات تاريخيّة مهمّة عن شيخه محمد جمال الدين الطبري حال درسه عليه كتاب منهاج الطالبين في فقه الإمام الشافعي.

ويجد قارئ نشر الأنفاس في فضائل زمزم وسقاية العباس كثيرًا من التعليقات والاستنتاجات التي دوّنها الرجل؛ فهو لم يكتفِ بالنقل من المصادر، إنّما أضاف إليها معلومات وتعليقات مهمّة، ويشير إليها بقوله: "قلتُ..."، في إشارة واضحة لتعليقه أو لنقده لتلك الرواية.

يضمّ الكتاب مقدّمة وعشرة فصول وخاتمة، وقد وردت المقدّمة موجزة، لم يوضّح الرجل لنا سبب كتابته لتلك الرسالة، ولكن يزول العجب عندما نعرف أنّه مكّي النشأة والوفاة، ومن ثمّ لا نستغرب كتابة تلك الرسالة، فهي إمّا تبركًا بالماء، وإمّا حبًّا في المكان.

 

ترشيحاتنا