يُعدّ مسجد الجن واحدًا من أبرز المساجد التاريخية في مكة المكرمة، لما يحمله من مكانة دينية وتاريخية ارتبطت بأحداث ورد ذكرها في القرآن الكريم، حيث يُروى أن نفرًا من الجن اجتمعوا في هذا الموضع ليستمعوا إلى تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم، فآمنوا به وبايعوه، وهو الحدث الذي وثقته سورة الجن في الجزء التاسع والعشرين من المصحف الشريف.
اقرأ أيضا| «المصحف الأزرق» يحل ضيفًا على متحف القرآن الكريم بحي حراء بمكة
ويقع المسجد في حي الغزة، أحد أقدم الأحياء القريبة من المسجد الحرام، في الجهة الشمالية من الحرم المكي، مقابل مقبرة المعلاة التاريخية، وبمحاذاة الطريق الدائري الثاني بمكة المكرمة، ما جعله من أقرب المساجد إلى المسجد الحرام وأكثرها ارتباطًا بالحركة اليومية لقاصدي الحرم والمعتمرين والزائرين.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن المسجد عُرف بعدة أسماء، من بينها «مسجد الحرس»، إذ كان حراس مكة قديمًا يجتمعون عنده ليلًا قبل توزيع مهام الحراسة على أحياء المدينة خلال العصر الأموي، كما سُمّي أيضًا بـ»مسجد البيعة» نسبة إلى مبايعة الجن للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع، فيما أطلق عليه بعض أهل مكة اسم «مسجد الخط» لما يُروى أن النبي خطّ لعبد الله بن مسعود خطوطًا على الأرض في تلك الليلة.
وترتبط قصة المسجد بما ورد في قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ}، حيث تذكر الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم أثناء عودته من الطائف نزل بوادي نخلة، وقرأ القرآن الكريم في جوف الليل، فاستمع إليه نفر من الجن وأنصتوا لتلاوته، ثم عادوا إلى قومهم منذرين وداعين إلى الإيمان بالله.
وشهد المسجد عبر تاريخه مراحل عدة من الترميم والتوسعة، بعدما اندثر بفعل السيول لسنوات طويلة، إلى أن أُعيد اكتشاف محرابه عام 1126هـ الموافق 1714م على عمق ثلاثة أمتار تحت سطح الأرض، ليُعاد بناؤه مجددًا. كما شهد أحدث توسعاته في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود عام /2000م، وفق طراز معماري حديث حافظ على رمزية المكان التاريخية والدينية.
ويكتسب المسجد أهمية إضافية لمجاورته مقبرة المعلاة، إحدى أقدم وأشهر مقابر مكة المكرمة، حيث يشكل نقطة تجمع للمشيعين وقاصدي الجنائز، خاصة أن أحد أبوابه يقابل مدخل المقبرة مباشرة.
كما يمثل المسجد محورًا حيويًا للحركة المرورية للقادمين والمتجهين إلى المنطقة المركزية والمشاعر المقدسة خلال موسمي الحج والعمرة.



