بقلم: لجين برهان
قبل الإسلام، لم يكن للعرب تقويم ثابت كما هو معروف اليوم، بل كانوا يؤرخون الأحداث بالوقائع الكبرى التي تترك أثرًا في الذاكرة. فكانوا يقولون: “حدث ذلك في عام الفيل”، أو “بعد حرب كذا”، وكانت هذه الطريقة مناسبة في المجتمعات البسيطة، لكنها لم تعد كافية بعد قيام الدولة الإسلامية واتساعها. ومع كثرة الرسائل والمعاملات بين الولايات الإسلامية، بدأت الحاجة تظهر إلى نظام زمني واضح يحدد السنوات والأشهر بدقة.
اقرأ أيضا| نكهات من زمن لا يعود
وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقعت حادثة كشفت أهمية وجود تقويم ثابت للمسلمين؛ إذ وصلت إليه رسالة مكتوب فيها أن مالًا يجب سداده في شهر شعبان، لكن الرسالة لم توضح أي سنة يُقصد بها. عندها أدرك عمر بن الخطاب أن الدولة الإسلامية بحاجة إلى تأريخ موحد يمنع الالتباس وينظم شؤون الناس.
فجمع كبار الصحابة للتشاور في الأمر، وبدأوا يناقشون الحدث الذي يجب أن تبدأ منه سنوات المسلمين. اقترح بعضهم أن يكون التاريخ من مولد النبي ﷺ، بينما رأى آخرون أن تكون البداية من بعثته، لأنها اللحظة التي بدأ فيها نزول الوحي. كما اقترح فريق ثالث أن يكون التأريخ من وفاة الرسول ﷺ، لكن هذا الرأي لم يلق قبولًا واسعًا لما يحمله من حزن في نفوس المسلمين.
وفي النهاية، استقر رأي الصحابة على أن تكون الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة هي بداية التاريخ الإسلامي، لأنها كانت الحدث الذي غيّر مجرى الدعوة الإسلامية، وانتقل فيه المسلمون من مرحلة الاستضعاف إلى بناء الدولة والمجتمع الإسلامي. فالهجرة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت بداية عهد جديد ظهرت فيه قوة المسلمين ووحدتهم، ولذلك استحق هذا الحدث أن يكون نقطة البداية في تاريخ الأمة الإسلامية.
ومن هنا وُلد “التقويم الهجري”، الذي اعتمد رسميًا في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجُعل شهر المحرم أول شهور السنة الهجرية، رغم أن الهجرة وقعت في شهر ربيع الأول، وذلك لأن المحرم كان يلي موسم الحج، وفيه يبدأ الناس صفحة جديدة من أعمالهم ومعاملاتهم.
ويعتمد التقويم الهجري على الدورة القمرية، حيث تتكون السنة من اثني عشر شهرًا قمريًا، وهي: المحرم، صفر، ربيع الأول، ربيع الآخر، جمادى الأولى، جمادى الآخرة، رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، وذو الحجة. وتقل السنة القمرية عن السنة الشمسية بنحو أحد عشر يومًا، ولذلك تتغير مواعيد الشهور الهجرية كل عام مقارنة بالتقويم الميلادي.
وقد ارتبط هذا التقويم بالعبادات الإسلامية ارتباطًا وثيقًا، فشهر رمضان يُعرف من خلاله، وكذلك مواسم الحج والأعياد والزكاة، مما جعل التقويم الهجري جزءًا حيًا من هوية المسلمين عبر العصور. وحتى مع انتشار التقويم الميلادي في كثير من الدول، ظل التقويم الهجري حاضرًا في المناسبات الدينية والوجدان الإسلامي.
ولم يكن وضع التقويم الهجري مجرد خطوة لتنظيم الوقت، بل كان إعلانًا عن استقلال الحضارة الإسلامية وتميزها. فقد اختار المسلمون حدثًا يعبر عن التضحية والإيمان والصبر ليكون بداية تاريخهم، وكأن الأمة الإسلامية أرادت أن تذكّر أبناءها دائمًا بأن النهضة الحقيقية تبدأ بالإيمان والعمل والتضحية.
الختام
إن بداية حساب الوقت في الإسلام لم تكن مجرد مسألة تتعلق بالأيام والسنوات، بل كانت خطوة حضارية عظيمة تعكس وعي المسلمين بأهمية التنظيم والزمن. ومنذ اعتماد الهجرة النبوية بداية للتاريخ الإسلامي، أصبح التقويم الهجري شاهدًا على مرحلة صنعت تاريخ الأمة وغيرت وجه العالم، ليظل الزمن في الإسلام مرتبطًا بقيم الإيمان والعمل والهوية الإسلامية الخالدة.



