بقلم: محمد صلاح
شهر ذو القعدة واحد من أعظم شهور العام الهجري، فهو من الأشهر الحرم التي عظمها الله تعالى وخصها بمكانة بين سائر الشهور، ذو القعدة هو الشهر الحادي عشر من السنة الهجرية، قبل شهر ذو الحجة مباشرة، ولذلك يرتبط في أذهان المسلمين بالاستعداد الروحي لموسم الحج وعيد الأضحي
اقرأ أيضا| التربية.. أساس البناء
وقد أشار القرآن الكريم إلى الأشهر الحرم في قوله تعالى فى سورة التوبة ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ )
وهذه الأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، ففى الحديث الشريف عن أبي بكرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله علية وسلم » السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان »
سمى شهر ذو القعدة بهذا الاسم حيث كان العرب قبل الإسلام يقعدون فيه عن القتال والترحال طلبا للأمان واحتراما لحرمة الشهر، وعندما جاء الإسلام أقر حرمة هذه الأشهر، لكنه نقلها من مجرد عادة اجتماعية إلى عبادة وقيمة دينية عظيمة، فأصبح المسلم مطالبا بأن يعظم هذه الأيام، ويبتعد فيها عن الظلم والخصومات والمعاصى لقوله تعالى (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) أي لا ترتكبوا الذنوب والمعاصي، لأن الظلم في الأشهر الحرم أعظم إثما وأشد حسابا ، وليس المقصود بالظلم هنا الاعتداء على الآخرين فقط، بل يشمل ظلم الإنسان لنفسه بالمعصية والتقصير والغفلة عن ذكر الله تعالى
ومن المعاني الجميلة التي يحملها ذو القعدة أنه شهر سلام وطمأنينة، ففيه تتوقف النزاعات ويفتح باب التصالح والتسامح بين الناس، وما أحوجنا اليوم إلى استعادة هذه الروح الإيمانية التي تدعو إلى نبذ الكراهية ونشر المحبة بين البشر
ارتبط شهر ذو القعدة أيضا بعدة أحداث مهمة في السيرة النبوية، حيث خرج النبي عليه الصلاة والسلام لأداء أكثر من عمره في ذي القعدة، مما يدل على فضل هذا الشهر وارتباطه بالعبادة والطاعة، كما شهد صلح الحديبية، ذلك الحدث العظيم الذي وصفه الله بالفتح المبين لما حمله من خير للمسلمين، قال تعالى فى سورة الفتح (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا)
ومن الأعمال المستحبة في هذا الشهر الإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن وكثرة الصدقات وصلة الرحم وإصلاح القلوب وتطهير النفوس من الحقد والحسد، فالمؤمن الحقيقي يستغل كل الأوقات المباركة ليتقرب إلى الله
كما أن شهر ذو القعدة فرصة عظيمة للاستعداد النفسي والروحي للحج، حيث يبدأ يتهيأ فيه الحجيج للرحلة المباركة التي تعد من أعظم شعائر الإسلام، فيشعر المسلمون بوحدة الأمة الإسلامية، حين تتجه القلوب والأبصار من مشارق الارض ومغاربها نحو الكعبة المشرفة،
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال » العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة »
يبقى شهر ذو القعدة محطة إيمانية عظيمة في حياة المسلمين، يذكرهم بحرمة الدماء والأعراض، ويدعوهم إلى التسامح والطاعة، فتتجدد معاني التقوى، ويشعر فيه المؤمن بقربه إلى الله تعالى، فيسعى للإكثار من الأعمال الصالحة والدعاء والذكر، راجياً رحمة الله ومغفرته ورضوانه .



