هل كان يجب على البائع أن يتحمّل شيئًا من ثمنها كما عرض عليَّ؟
البيع في اللغة مصدر بَاعَ كذا بكذا، أي: دفع عوضًا وأخذ مُعَوَّضًا، وهو يقتضي بائعًا وهو المالك أو من يُنَزَّلُ منزلته، ومبتاعًا وهو الذي يَبْذُلُ الثمن، وَمَبِيعًا وهو المثمون وهو الذي يُبْذَلُ في مقابلته الثمن؛ كما قال الإمام القرطبي
والأصل في البيوع الإباحة؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ ٱللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، والعموم يدلّ على الإباحة في الجملة والتفصيل ما لم يُخَصَّ بدليل.
أقرأ أيضا : حكم إعادة الصلاة عند الشك في عدد الركعات؟.. أمين الفتوى يجيب
قال الإمام الشافعي [فأصل البيوع كلها مباحٌ إذا كانت برضا المتبايعين الْجَائِزَيْ الأمر فيما تبايَعَا، إلا ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها، وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محرم بإذنه داخل في المعنى المنهي عنه، وما فارق ذلك أبحناه بما وصَفْنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى]
والمعاملات الجارية بين الناس يُرَاعَى فيها ابتداءً تحقُّقُ شروط العقود العامة؛ من أهلية المتعاقدين، وحصول الرضا بينهما، وانتفاء الغرر، وكذلك خلو المعاملة من الشروط الممنوعة شرعًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا» أخرجه الترمذي وصححه، والدارقطني والبيهقي في "السنن".
ما ذكره السائل من شراء شاشة تلفزيونية ودفع ثمنها واستلامها، ثم تركها عند البائع لحين شراء بعض الحاجات؛ هو عبارةٌ عن معاملتين:
- الأولى: عقد بيع صحيح تامّ مستوفي الأركان والشروط كما سبق بيانه، آل إلى امتلاك المشتري للمبيع وصار في حوزته وأصبح له حُقُّ التصرف فيه.
- والأخرى: وديعةٌ بغير أجر؛ وهي عبارة عن تَوْكِيل بحفظ المال على سبيل التبرع
عقد الوديعة جائز شرعًا بالكتاب والسنة والإجماع:
- فمن الكتاب: قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: 283]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].
-ومن السنة: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» أخرجه أحمد في "مسنده"، وأبو داود والبيهقي في "السنن".
- والوديعة أمانةٌ من جملة الأمانات -كما قال الإمام القرافي وحفظ الأمانة وأداؤها صفةٌ نَبَعَتْ من صاحب المقام الأعظم والجناب الأفخم صلى الله عليه وآله وسلم كما سبق في السنة القولية، وكذلك ما نُقل من السنة العملية؛ حيث اتفق الناس كافةً على صدقه وأمانته، وأقرّوا له بذلك حتى مَن كان يكفر به ويحرض عليه؛ فكانوا يحفظون الأمانات عنده، ويلقبونه بالصادق الأمين، رغم اختلافهم معه في أمر الدين، ويظهر ذلك عند هجرته صلى الله عليه وآله وسلم، حينما استخلف سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليؤدي الودائع إلى أهلها؛ تقول ام المؤمنين عائشه ان "وَأَمَرَ -تعني رَسُولَ اللهِ صَلَّى ٱللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- عَلِيًّا رَضِيَ ٱللهُ عَنْهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ بِمَكَّةَ حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْ رَسُولِ ٱللهِ صَلَّى ٱللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ" أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى"، وذكره ابن الأثير في "الكامل
- وأجمع العلماء على جواز الإيداع والاستيداع؛ قال الإمام ابن قدامة [أجمع علماء كل عصر على جواز الإيداع والاستيداع، والعبرة تقتضيها؛ فإنَّ بالناس إليها حاجة، ويتعذَّر على جميعهم حفظ أموالهم بأنفسهم، ويحتاجون إلى مَن يحفظ لهم]
وعقود الأمانات مندوبٌ إليها شرعًا؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَٱللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قد اشترط الفقهاء لصحة عقد الوديعة أركانًا؛ هي: العاقدان (الْمُودِع وَالْمُودَع)، والوديعة، والصيغة (الإيجاب والقبول)، أو ما يقوم مقامها عند جماعة من الفقهاء.
وصورتها: أن يقول له أودعتك هذا، فيقول الآخر: قبلت، أو ما يقوم مقام اللفظ مما يدلّ على الاستنابة في حفظ المال.
وقال العلامة محمد قدري باشا[(مادة 702) إنما يتم الإيداع في حق وجوب الحفظ بالإيجاب والقبول صريحًا مع تسليم العين للمستودَع تسليمًا حقيقيًّا أو حكميًّا بأن يضعها بين يديه، أو بالإيجاب والقبول دلالةً بأن يضع العين بين يدي آخر ولم يقل شيئًا وسكت الآخر عند وضعه فإنه يجب عليه حفظها]
يدُ المودَع على الوديعة يدُ أمانة؛ بمعنى أنه لا يضمنها مِثلًا أو قِيمةً إلا إذا تعَدَّى أو فرَّط في حفظها؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ» أخرجه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي في "السنن"، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ، وَلَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ» أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"، والدارقطني والبيهقي في "السنن". والْمُغِلِّ: هو الْخَائِنُ، أو الْمُنْتَفِعُ بالشيء بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ.
قال الإمام الزركشي[قال الجرجاني في "التحرير": الموجب لضمان المال خمسة.. الرابع: الإتلافات بمباشرة أو سبب. والخامس: التعدّي بالغصب أو بالتصرف في الأمانة أو بالتفريط في ردها]
وضابط الحفظ يُفَرَّق فيه بين ما إذا كانت الوديعة بأجرٍ أو بغير أجر:
ففي الوديعة بغير أجرٍ: أن يحفظها كما يحفظ ماله؛ فيبذل من العناية والحفظ ما يبذله لحفظ ماله، فالمعيار شخصي.
بخلاف المستأجَر لحفظ الوديعة: فلا يكفيه ذلك، بل يبذل من العناية ما يبذله الرجل المعتاد في حفظ الأموال، فالمعيار موضوعي.
ويترتب على ذلك: أنَّ الوديعة بغير أجر إذا هلكت في يد المودَع وقد بذل في حفظها ما يبذله في حفظ ماله لا يضمنها؛ سواء هلكت بأمر يمكن الاحتراز عنه أو لا يمكن، بخلاف هلاكها في يد المودَع بأجر؛ فإنها إن هلكت بأمر يمكن الاحتراز عنه -كالسرقة مثلًا- ضَمِنَهَا؛ لأنَّ ما يتقاضاه من أجر كان لقصد الحفظ، وإن هلكت بأمر لا يمكن الاحتراز عنه كالموت حتف الأنف أو حريق غالب أو نحو ذلك فلا ضمان عليه.
قال الإمام السمرقندي[عقد الْوَدِيعَة استحفاظٌ من الْمُودِع وائتمانٌ لَهُ؛ فَتكون الْوَدِيعَةُ أَمَانَةً فِي يَد الْمُودَع لوُجُود الائتمان من الْمُودِع، يلْزمه حفظهَا إِذا قبل الْوَدِيعَة لِأَنَّهُ الْتزم الْحِفْظ؛ فَيجب عَلَيْهِ أَن يحفظ على الْوَجْه الَّذِي يحفظ مَاله بحرزه وَبِيَدِهِ وبِيَدِ مَن كَانَ مَالُهُ فِي يَدِهِ]
وقال العلامة المرغيناني [فإذا هلك بسبب يمكن الاحتراز عنه كالغصب والسرقة كان التقصير من جهته فيضمنه كالوديعة إذا كانت بأجر، بخلاف ما لا يمكن الاحتراز عنه كالموت حتف أنفه والحريق الغالب وغيره لأنه لا تقصير من جهته. ولأبي حنيفة رحمه الله: أنَّ العين أمانة في يده؛ لأنَّ القبض حصل بإذنه، ولهذا لو هلك بسبب لا يمكن التحرز عنه لم يضمنه، ولو كان مضمونًا لضمنه كما في المغصوب، والحفظ مستحقٌّ عليه تبعًا لا مقصودًا، ولهذا لا يقابله الأجر، بخلاف المودَع بأجر؛ لأنَّ الحفظ مستحقٌّ عليه مقصودًا حتى يقابله الأجر]
(مادة 707) الوديعة أمانةٌ لا تُضمَن بالهلاك مطلقًا؛ سواء أمكن التحرز أم لا، وإنما يضمنها المستودَع بتعديه عليها أو بتقصيره في حفظها.
(مادة 708) إذا كان الإيداع بأجرة فهلكت الوديعة أو ضاعت بسبب يمكن التحرز منه فضمانها على الوديع]
وهذا ما نص عليه القانون المدني المصري الصادر برقم 131 لسنة 1948م، في مادته رقم (720)؛ حيث جاء فيها: [إذا كانت الوديعة بغير أجر وجب على المودَع عنده أن يبذل من العناية في حفظ الشيء ما يبذله في حفظ ماله]
وعدم الضمان في الوديعة بغير أجر إلا بالتعدي أو التفريط في حفظها مبنيٌّ على أنَّ ما يقومُ به المودَع من حفظ الوديعة يكون على سبيل التبرع منه والإحسان، فإن طُولِبَ بالضمان من غير تَعَدٍّ أو تفريطٍ زَهِدَ الناس في قبول الأمانات فيؤدي إلى قطع المعروف.



