بقلم: حاتم سلامة
ما زلت أتذكر تلك الجملة التي ذكرها محمد سعيد العريان في كتابه [حياة الرافعي]، وهو يصف موت خليله وأستاذه بقوله: "لقد ضج العالم الإسلامي بموت الرافعي". وهي ذات الحالة التي لمستها وعشتها حين مات الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، الذي لم يكن مجرد موت نفس ورحيل روح، وإنما كانت ضجة هزت العالم الإسلامي، ومحنة أصابت الدعوة الإسلامية. فلم يكن خسارة لمصر وحدها، أو الأزهر على انفراده، وإنما كان فقده عاصفة زلزلت أمتنا بمشارقها ومغاربها. شعر كل داعية أن الإسلام فقد ركنًا شديدًا يستند إليه، وأن الدعوة تيتمت برحيله. أما أنا فإني أتشمم ريح كل إنسان عرفه أو رآه أو عامله أو جلس إليه وحدثه، أستدعي معه ما كان وما شاهد وما تعلم؛ حتى أستمتع ببصيص من سيرة هذا العملاق الكبير.
مرت علينا في الأيام الفائتة ذكرى وفاته في التاسع من مارس، يوم وداع هذه القامة الفكرية والإسلامية الشامخة، التي تركت بصمة لا تُمحى في عقل الأمة ووجدانها. إنه الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله)، الذي غادر دنيانا في عام 1996م، تاركًا خلفه إرثًا من الاستنارة والشجاعة الأدبية.
كان الشيخ رحمه الله يستحق أن يُلقَّب بشيخ الإسلام، ولم لا؟ وقد كان يحمل هموم أمته ويعيش لدعوته، وكان يؤرقه ويعذب نفسه كل صور التخلف التي تجتاح عقول المتدينين وتعوقهم أن يسيروا بمستقبل الدعوة نحو غايتها المنشودة. كان حينما يتكلم لا يتكلم بهراء أو خواء، ولا يتلفظ بما يشتت عقائد الناس ويشغلهم عن الغايات العليا والأشواق الكبرى؛ لأنه كان يعرف مسؤولية العالم وأمانة العلم.
ومن عجب أن ترى طوائف الجماعات الدينية التي تتعصب لعلمائها، الذين إذا ما وازناهم بالشيخ الغزالي لرأيناهم صبية لا يجنون غير العبث والتهريج فيما يحومون به حول الدين. لقد قدم الشيخ الغزالي النموذج الأمثل للداعية الفقيه والعالم الواعي المتزن.
إن هذه المقارنة التي تلح في قرائحنا ليست مجرد مفاضلة بين أشخاص، بل هي مفاضلة بين منهجين في فهم الرسالة الإسلامية ودور الداعية في واقعنا المعاصر: منهج الجد أمام منهج الفرعيات التي تستهلك طاقة الأمة في معارك حول شكل اللباس، أو دقائق الهيئات، أو إحياء أقوال فقهية مهجورة لا تقدم ولا تؤخر في نهضة المجتمع. وهو المنهج الذي يحوّل الدين إلى قائمة ممنوعات أو ألغاز فقهية.
بينما كان شيخنا يرى أن الإسلام جاء ليحرر الإنسان ويبني الحضارة؛ فكان تركيزه على الغايات الكبرى من العدل، والحرية، والشورى، والعمل، وعمارة الأرض. وكان جهده يقوم على الغايات العظمى، ويرى أنها أوجب عند الله من الانشغال بمسائل اختلف فيها الفقهاء منذ ألف عام.
إن الشيوخ العبثيين يعتمدون البحث عن أغرب رأي فقهي، وتسليط الضوء عليه ليشغل الساحة الفكرية، مما يؤدي إلى تشتيت الناس. وقد اجتهد الشيخ في تجديد الفهم الديني، وخاض معارك فكرية شرسة ضد التدين المغشوش والفهم السطحي للنصوص، مؤكدًا أن العقل والنقل لا يتصادمان.
انتقد الجمود الفقهي لدى البعض، وانتقد التغريب والانبهار الأعمى بالغرب لدى البعض الآخر. وكان يمثل الوسطية الجامعة؛ فلا هو منغلق يرفض العصر، ولا هو مفرط يذوب في الآخر.



