بقلم: محمود حسن محمود
لم يعد ملف كلاب الشوارع قضية هامشية، بل أصبح موضوعًا يثير جدلًا واسعًا في الشارع المصري، بين من يخشى انتشارها ومن يدعو إلى حمايتها والرفق بها. ومع تصاعد النقاشات حول طرق التعامل مع هذه الظاهرة، تبرز آراء دينية وسياسية وعلمية واجتماعية تؤكد أن الحل لا يكمن في القتل أو التعذيب، بل في إدارة علمية وإنسانية تحقق التوازن بين سلامة المجتمع وحماية الحيوان.
في هذا السياق، يؤكد اللواء محمد عبد العظيم، رئيس الحزب الجمهوري تحت التأسيس، أن القضية تتطلب معالجة جادة ومتكاملة، مشددًا على ضرورة الاستفادة من الكلاب الحرة بدلاً من التخلص منها بطرق قاسية. وقال إن مصر عرفت تاريخيًا بالرفق بالحيوان، وهو ما يستدعي وضع منظومة واضحة لرعاية هذه الكلاب عبر تخصيص أماكن آمنة لها تحت إشراف بيطري، وتوفير التطعيمات والرعاية اللازمة.
وأضاف أن الكلاب البلدية تمتلك صفات مميزة من الذكاء والمناعة القوية، ويمكن الاستفادة منها في مجالات متعددة إذا تمت إدارتها بشكل صحيح، مؤكّدًا في الوقت ذاته أهمية إصدار عقوبات مناسبة بحق من يقتل أو يعذب الحيوانات، باعتبار ذلك سلوكًا يتنافى مع القيم الإنسانية.
من جانبه، أوضح الأستاذ الدكتور عبد الغني عبد الفتاح زهرة، أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر، أن الشريعة الإسلامية أولت عناية كبيرة بالحيوان، وجعلت الرفق به سببًا للأجر والثواب، بينما اعتبرت إيذاءه ظلمًا يستوجب العقاب.
وعلى الجانب العلمي، يشير الدكتور أحمد المحمدي، المتخصص في إدارة الجودة، إلى أن التعامل مع ظاهرة انتشار الكلاب الحرة يجب أن يعتمد على تحليل علمي دقيق للأسباب الجذرية، مؤكدًا أن الحلول التقليدية، التي كانت تعتمد على القتل أو استخدام السموم، لم تثبت فعاليتها، بل أصبحت مرفوضة عالميًا.
وأوضح أن الدولة تتبنى حاليًا استراتيجية «مصر خالية من السعار 2030»، والتي تقوم على التطعيم والتعقيم للحد من التكاثر والسيطرة على المرض، مؤكدًا أن هذه الإجراءات تحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجها، لكنها تمثل الطريق الأكثر أمانًا واستدامة.
وأضاف أن من أبرز أسباب تفاقم الظاهرة عوامل اجتماعية واقتصادية وسلوكية، مثل إلقاء المخلفات بشكل عشوائي، وتزايد تجارة الكلاب دون ضوابط، وضعف المشاركة المجتمعية في رعاية الحيوانات، إلى جانب انتشار الخوف غير المبرر من الكلاب لدى بعض فئات المجتمع.
وفي السياق الاجتماعي، ترى الدكتورة شربات أحمد، استشاري علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن العنف غير المبرر تجاه كلاب الشوارع يعكس تحولات سلوكية مقلقة داخل المجتمع، مشيرة إلى أن بعض الأطفال والشباب باتوا يقلدون سلوكيات عنيفة يرونها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو في بعض الأعمال الدرامية.
وأكدت أن مواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى برامج توعية مجتمعية، وتنظيم طرق إطعام الكلاب، إضافة إلى دور أكبر من مؤسسات التنشئة مثل الأسرة والمدرسة والمسجد والكنيسة ومراكز الشباب، مع ضرورة إصدار قوانين تجرّم العنف ضد الحيوانات.
ومن الخارج، يقدم علي حرحش، رئيس الجالية المصرية في إيطاليا، نموذجًا مختلفًا للتعامل مع الكلاب في أوروبا، حيث تُعتبر جزءًا من الأسرة، وتخضع لنظام تسجيل ورقابة صحية دقيقة، مع وجود جمعيات وملاجئ متخصصة لرعايتها وتشجيع تبنيها.
وأشار إلى أن الكلاب البلدية المصرية تتمتع بقدرات قوية لكنها لا تحظى بالاهتمام الكافي، لافتًا إلى أن تزايد أعدادها يعود في جزء كبير منه إلى سلوك الإنسان، مثل إلقاء القمامة في الشوارع وغياب التنظيم.
وأضاف أن مشاهد انتشار بعض الكلاب في مناطق سياحية أو تاريخية تحوّلت أحيانًا إلى دعاية غير مباشرة لمصر، مؤكدًا أن ما صنعه «كلب الهرم» من انتشار واسع على مواقع التواصل الاجتماعي قدّم صورة لافتة جذبت الانتباه عالميًا، وهو ما وصفه بدعاية سياحية مجانية تفوق التوقعات.



