فقه الإتجار بالمسكرات والمخدرات

فقه الإتجار بالمسكرات والمخدرات
فقه الإتجار بالمسكرات والمخدرات

 

بقلم . محمد علي الحسيني

 يشكّل الإتجار بالحرام أحد أخطر التحديات الأخلاقية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات المعاصرة، لما يحمله من آثار مدمّرة على الفرد والأسرة والمجتمع، ومن أبرز صوره المنتشرة اليوم الإتجار بالمسكرات والمخدرات، وهو مسلك يتناقض مع جوهر الرسالة الأخلاقية التي جاء بها الإسلام، والتي تهدف إلى حفظ النفس والعقل والمال والدين.

إن الحرام في الإسلام ليس حكمًا اعتباطيًا، بل هو حكم يقوم على مقاصد الشريعة التي تسعى لصيانة الضروريات الخمس: الدين، النفس، العقل، النسل والمال، وبناء على ذلك، فإن الإتجار بما يضرّ بهذه الضروريات يُعد فعلاً محرّمًا، حتى لو لم يكن المتاجر به يتعاطاه شخصيًا، لكون القاعدة الأصولية تقول:"ما حَرُمَ استعماله حَرُمَ الاتجار به"، ولهذا قال النبي ﷺ:"إن الله إذا حرّم شيئًا حرّم ثمنه".

ولاشك أن البيع في أصله مباح، لكنه يصبح محرّمًا إذا تعلق بشيء محرّم لذاته أو لمآله، سواء كان يفسد العقل، أو يهدر الكرامة البشرية، أو يؤدي إلى فساد اقتصادي وأخلاقي واسع.

المسكرات والمخدرات… اعتداءٌ على العقل والكرامة الإنسانية

جاء التحريم القطعي للمسكرات في القرآن الكريم لكونها تشكل اعتداء على العقل، وهو مناط التكليف، فقال تعالى:"إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ" (المائدة: 90).

فالمخدرات، وإن لم تُذكر نصًا، فهي داخلة بحكمها في باب المسكرات لأن العلة واحدة وهي تعطيل العقل، وتدمير الجسد، وإفساد المجتمع.

وتجارة هذه المواد ليست مجرد بيع، بل هي مشروع تخريبي يستهدف إضعاف قوة المجتمع،تفكيك الأسر،إهدار الأموال ونشر العنف والجريمة.

إنها تجارة قائمة على تدمير الإنسان من أجل الربح، وهو أبشع صور الفساد في الأرض.

الأثر الاجتماعي والأمني لتجارة المخدرات

تؤدي تجارة المسكرات والمخدرات إلى موجة من الانحرافات والسلوكيات المدمرة، إلى ارتفاع معدلات الجريمة؛ فالمتعاطي يعيش حالة من عدم السيطرة على وعيه، ما يجعله أقرب لارتكاب الجرائم، أما التاجر، فشبكته غالبًا مرتبطة بعصابات تسهم في زعزعة الأمن العام، كما يتسبب في تفكك الأسرة وضياع الأبناء؛ فالإدمان يستهلك دخل الأسرة، ويدمّر روابطها، ويقود الأبناء إلى الضياع النفسي والسلوكي، ومن آثاره الخطيرة أنه يشكل استنزافا اقتصاديا للمجتمعات؛ فالأموال التي تُصرف على هذه السموم هي نزيف هائل يُحرم منه المجتمع ويصب في جيوب شبكات إجرامية، ناهيك عن تهديده للأمن القومي؛ فأغلب تجار المخدرات مرتبطون بشبكات عابرة للحدود تستخدم هذه التجارة كوسيلة لتمويل أعمال غير مشروعة، ما يجعلها تهديدًا لا يقل خطورة عن الإرهاب نفسه.

المسئولية الأخلاقية والدينية

لا يقف تحريم تجارة المخدرات عند الموقف الفقهي، بل يمتد إلى واجب ديني وأخلاقي لحماية المجتمع، فمقاومة هذه التجارة واجب على مستويات عدة، بدءا 

من الفرد من خلال تفعيل الوعي بخطورة هذه الآفة، ورفض تبرير أي تعامل معها، إضافة إلى الأسرة التي تقع عليها مسئولية المراقبة والتوجيه، وبناء جدار حماية نفسي وسلوكي حول الأبناء، إلى جانب الأسرة تتجلى أهمية المؤسسات الدينية ودورها الكبير في نشر الوعي بالتحريم الشرعي وآثاره، وتفكيك الخطابات التي تبرر أو تخفف من خطورتها، ولاشك أن الدولة بمؤسساتها تقع على عاتقها تشديد الرقابة والعقوبات، واعتبار الإتجار بالمخدرات جريمة تهدد الأمن الجماعي، لا مجرد مخالفة فردية.

الإتجار بالحرام… خيانة للأمانة الإنسانية

إن من يتاجر بالحرام لا يضر نفسه فقط، بل يخون مسئولية الاستخلاف في الأرض، لأن الله تعالى جعل الإنسان خليفةً لإعمار الأرض لا لإفسادها،قال تعالى:"وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا" (الأعراف: 56)، فتجارة المخدرات والمسكرات فساد صريح، لأنها تستهدف الإنسان في عقله، أغلى ما يملك، وتحوّله إلى كائن ضعيف فاقد للقدرة على التفكير والإنتاج.

   إن الاتجار بالحرام، وبالأخص المسكرات والمخدرات، ليس فعلاً فرديًا منعزلًا، بل هو جريمة مركّبة تمزج بين الفساد الاقتصادي والانحطاط الأخلاقي والاعتداء على النفس والمجتمع، والوقوف ضد هذه التجارة واجب ديني وإنساني، يتجاوز حدود الفقه إلى رسالة حضارية تهدف لحماية الإنسان وتعزيز كرامته.

إن الرسالة الإسلامية، بمقاصدها العظيمة، لا تحرّم هذه التجارة لأنها "تضيّق على الناس"، بل لأنها تحمي الإنسان من الإنسان، وتبني مجتمعًا قويًا قادرًا على مواجهة تحديات العصر.

 

ترشيحاتنا