الدكتور: محمد البشاري
يعد الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن القرشي الأمامي الفلالي واحدًا من أعلام المغرب في أواخر القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر الهجريين، ورمزًا من رموز الفقه والحديث والقضاء، بل ومثالًا للعلماء الذين جمعوا بين الرسوخ العلمي والمواقف الوطنية الصلبة في مواجهة الاستعمار الفرنسي. وُلد بفاس في أسرة علمية عريقة تنتمي إلى “أولاد الإمام”، وهو نسب ضارب في التاريخ العلمي للمغرب منذ القرن الحادي عشر الهجري. تلقى العلم على والده، وعلى ثلة من كبار علماء عصره أمثال محمد المدني كنون، ومحمد بن عبد الرحمن الحسني العلوي، وعبد الله بن حمدون بناني، وغيرهم من شيوخ القرويين، حتى صار فقيهًا محدثًا مبرزًا، متمكنًا في علوم الشريعة، واسع الاطلاع على التاريخ والأنساب، حاضر البديهة، قوي الحجة، حاضر المروءة.
تدرج في المناصب العلمية والقضائية، فتولى نيابة الأحكام الشرعية بمحكمة السماط، ثم جمع له السلطان عبد الحفيظ بين قضاء فاس العليا وقضاء محكمة الرصيف، وانتقل بعدها إلى رئاسة مجلس الاستئناف الشرعي بالرباط، ثم إلى وزارة العدلية، قبل أن يعود قاضيًا بفاس، ويتوج مساره نائبًا شرفيًا لرئيس المجلس العلمي. في كل هذه المناصب، ظل وفيًّا لمبادئه، رافضًا أي تدخل سياسي أو نفوذ شخصي في القضاء، حتى كان يُعرَف بصلابة الموقف وعلو الهمة.
امتاز ابن القرشي بعلم غزير وورع شديد، وحياة زهد وعبادة، حتى عُرف بملازمة المساجد، وإحياء الليل بالقيام والذكر، وحفظ الحديث الشريف وتدريسه، وخاصة صحيحي البخاري ومسلم، وكان يلقي دروسه في القرويين بعد صلاة العصر في حلقة يلتف حولها الطلبة والتجار وعامة الناس، لما يجدون فيها من صفاء العقيدة وقوة الدليل. كان شديد التمسك بالسنة النبوية، معاديًا للبدع والخرافات، يصدع بالحق ولا يخاف لومة لائم، وهي سمات جعلته مرجعًا دينيًا واجتماعيًا لا ينازع.
بلغ موقفه الوطني ذروته في قضية <الظهير البربري> سنة 1930، حيث كان وزيرًا للعدل، ورفض بإباء أن يوقع المرسوم الوزاري الممهد لتطبيقه، معلنًا أن يده لا تكتب ما يخالف الشريعة، متحديًا ضغوط سلطات الحماية الفرنسية، حتى لو أدى الأمر إلى عزله. قاد بنفسه وفدًا وطنيًا إلى السلطان مولاي يوسف للاحتجاج، وألقى بين يديه خطابًا مؤثرًا ذكّره فيه بأن عرش المغرب قام على حماية الشريعة، فبكى السلطان، وأدرك عمق الأزمة. ورغم محاولة السلطات عزله وإبعاده، ظل ابن القرشي رمزًا للممانعة الوطنية، وملاذًا للمواطنين، ووجهة لكل شخصية وطنية أو أجنبية تزور فاس.
كان لشيخنا حضورٌ وافر في الساحة الدينية بفاس، ممثلًا امتداد المدرسة السلفية المغربية التي تعاقب عليها أئمة كبار مثل حمدون السلمي والمدني كنون. هذه المدرسة تقوم على العودة المباشرة إلى القرآن والسنة، والتمسك بالمنهج الأثري في الاعتقاد والعمل، مع استقلال فكري عن السلطة السياسية، ورفض الوسائط المبتدعة في الدين. وقد تجسد هذا المنهج في دروسه، حيث كان يبدأ من الحديث الصحيح، ويفسره بأقوال الشراح المعتبرين كابن حجر والقسطلاني، رابطًا بين النصوص الشرعية وقضايا العصر، دون أن ينجر إلى التأويلات السياسية المباشرة.
عرفت حياته الاجتماعية تواضعًا بالغًا؛ فقد كان يقيم في حي شعبي بفاس، ويمارس حياة بسيطة، حتى رُوي أنه عند انتقاله من القضاء بفاس إلى مراكش رهن “مرشته” عند بقال الحي بثمن قليل من الصابون لغسل ثياب العائلة. كان يتجنب المظاهر، ويرى في الاقتداء بالسنة في أدق تفاصيل الحياة وسيلةً لتربية النفوس وحفظ المجتمع من الانحراف.
لم يكن ابن القرشي مجرد عالم منزوٍ، بل كان فاعلًا في الحركة العلمية والاجتماعية؛ فمجالسه كانت منتديات مفتوحة للطلبة والعلماء، رحلاته إلى شمال المغرب وجنوبه كانت مناسبات لنشر العلم وتوثيق الصلة بين العلماء والمجتمع، وهو في كل ذلك يتوخى خدمة الإسلام على بصيرة، وتجريب قدرته على تحمل مشاق السفر تمهيدًا لأداء فريضة الحج، التي ظل يعد لها حتى آخر عمره.
توفي في محرم سنة 1358هـ/1939م، بعد حياة امتدت في ظل ستة من الملوك العلويين، قضاها في خدمة العلم والعدل والدين، وظل حتى وفاته محتفظًا باستقلاله وسمعته بين الخاصة والعامة. رثاه علماء المغرب، وعدّوه من حراس السنة النبوية، ومن آخر رجال المدرسة السلفية الأصيلة في فاس، الذين جمعوا بين قوة العلم وصلابة الموقف، فكان بحق حلقة وصل بين فقهاء القرون الماضية وعلماء النهضة الحديثة، وبين الأصالة المغربية والروح الإصلاحية التي قاومت الاستعمار الثقافي والسياسي معا



