فلسفة الهجرة.. نحو البناء لا الهروب

الشيخ إسلام إبراهيم الدبيكي إمام وخطيب ومدرس بوزارة الأوقاف
الشيخ إسلام إبراهيم الدبيكي إمام وخطيب ومدرس بوزارة الأوقاف

بقلم: الشيخ إسلام إبراهيم الدبيكي
إمام وخطيب ومدرس بوزارة الأوقاف. 

الهجرة في وجدان الإنسان ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هي حركة وجودية كبرى، تعكس توق النفس البشرية إلى الأفضل، بحثًا عن حياة أكرم ورزق أوسع، وأفق أكثر رحابة، ومنذ أن خط الإنسان خطواته الأولى في الأرض، وهو يسعى في الآفاق، يتحرك بين الأمكنة لا هروبًا من قدر، بل طلبًا للكرامة، ورغبة في إعمار الأرض التي استخلفه الله فيها.
وفي تاريخ الرسالات السماوية، لم تكن الهجرة فرارًا من الأزمات، بل كانت إعلانًا لبداية جديدة، وميلادًا لمراحل التغيير والنهوض، ومن هنا نجد أن الإسلام ينظر إلى الهجرة لا كفعل يائس، بل كـ «حركة بناء»، تشهدها سيرة الأنبياء والصالحين، وتُسطَّر في صفحات الوحي الكريم.
فالانتقال المشروع في سبيل الله هو انتقال نحو النور، لا نحو التيه، ونحو البناء لا نحو التلاشي، ونحو الأمل لا الهروب.
إن أول هجرة عرفها التاريخ الديني كانت هجرة إبراهيم -عليه السلام- حين قال الله تعالى عنه: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} (الصافات: 99)، فكانت هجرته سعيًا إلى أرض جديدة يبني فيها معالم التوحيد، ويؤسس مشروعًا حضاريًّا قوامه الإيمان والعمران.
وكذلك كانت هجرة سيدنا محمد ﷺ من مكة إلى المدينة ليست هروبًا من بطش قريش، بل كانت انتقالًا من الضعف إلى التمكين، ومن الحصار إلى الفتح، ومن مرحلة الصبر إلى مرحلة الإنجاز. ويشهد على ذلك قول الله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} (النساء: 100)، فالهجرة طريق إلى السَّعة بعد الضيق، وإلى الأمل بعد الانكسار.
إن الإسلام لا يذمُّ الحركة ولا يقدس الجمود؛ بل يجعل السعي والاجتهاد من سمات الإنسان الناجح،ولذلك قال النبي ﷺ: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (رواه البخاري)، في إشارة إلى أن الهجرة في جوهرها ليست مجرد انتقال مكاني، بل ارتقاء فكري وروحي، وتحول في مسار الحياة نحو ما هو أنقى وأرقى.
وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: «اعلم أن الهجرة لا تختص بالخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام، بل كل خروج مما يكرهه الله إلى ما يحبه الله هو هجرة».
وفي عصرنا الحالي، يجب أن نعيد التأكيد على أن الهجرة في فكر الإسلام ليست قرارًا عشوائيًّا ولا يائسًا، بل مشروعًا مدروسًا يحمل رؤية للمستقبل فالأمل بالله أكبر، والوعد الإلهي لا يتخلف:
{سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} (الطلاق: 7).
ومن هنا كان واجب العلماء والمفكرين وأصحاب الرأي أن يجددوا خطاب الأمل في نفوس الشباب، لا أن يحصروهم بين نار اليأس أو وهم الفردوس المفقود في بلاد الآخرين، فالحياة لا تبنى إلا بالعقل والعمل والتخطيط والتوكل على الله.
لقد تحولت هجرة النبي ﷺ إلى المدينة إلى ميلاد أمة جديدة، ومن صحراء المدينة انطلقت أعظم حضارة عرفها التاريخ، لأن الهجرة كانت نحو البناء لا الهروب.
إن الهجرة في فلسفة الإسلام ليست مجرد انتقال من مكان إلى مكان، بل هي رحلة الإنسان من ضعفٍ إلى قوة، ومن خوفٍ إلى أمان، ومن يأسٍ إلى أمل.
وصدق الدكتور محمد إقبال حين قال:
«ليس المهم أين تقف الأقدام.. بل المهم إلى أين يتجه القلب والعقل».
فلنجعل هجرة اليوم مشروعًا للإعمار، لا مجرد هروب من المسؤولية. وليكن شعارنا دائمًا: من أراد أن يهاجر، فليهاجر بفكره وجهده، وليكن هدفه دائمًا البناء والإصلاح.

 

ترشيحاتنا