بقلم: المستشار محمد حسان
حين يطل علينا الهلال الهجري معلنا بداية عام جديد، لا يضيء السماء فحسب، بل يضيء الذاكرة والروح معا، ويبعث فينا لحظة تأمل في رحلة تحول عظيمة بدأت منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، يوم غادر رسول الله محمد ﷺ مكة المكرمة مهاجرًا إلى المدينة المنورة، لا هروبًا من أذى، بل انطلاقة نحو بناء أمة، وترسيخ قيم، وإقامة دعوة قائمة على الإيمان والعمل والأمل.
لم تكن الهجرة مجرد انتقال مكاني، بل كانت تحولا روحيا وتاريخيا فارقا، محطة فاصلة بين عهد الاستضعاف وعهد التمكين، بين مرحلة الصبر ومرحلة النصر، ومطلعًا لعهد جديد من النور والعدل والرحمة. ولذلك فإن بداية السنة الهجرية ليست مناسبة عابرة تُذكر وتُنسى، بل هي فرصة ذهبية للمراجعة الصادقة والتجدد العميق، دعوة لإعادة ترتيب الأولويات، وإعادة وصل ما انقطع بيننا وبين الله.
وكما هاجر النبي ﷺ من الضيق إلى السعة، ومن الألم إلى الأمل، فنحن أيضا مدعوون إلى هجرة معنوية لا تقل شأنًا: هجرة من ضعف النفس إلى قوتها، من التشتت إلى التركيز، من الغفلة إلى الذكر، من الهوى إلى الهدى، ومن الأنا إلى البناء المشترك.
في الهجرة تتجلى معاني التوكل الصادق، والثقة المطلقة بوعد الله، والصبر الجميل، والعمل الدؤوب في الخفاء والعلن. فهي درس خالد في التخطيط المحكم والإعداد الواعي، دون غفلة عن الأسباب، مع يقين راسخ بأن الله هو المدبر والمعين.
إنها دعوة مفتوحة لقلوبنا أن تبدأ عامًا جديدًا على خطى نبيها؛ عامًا نملؤه بالإيمان الصادق، والأمل المتجدد، والنية الخالصة؛ عامًا نفرغ فيه قلوبنا من الحقد والضغينة، وننصرف فيه إلى العمل والإصلاح، وبناء الذات والمجتمع.



