قصة المصحف المرتل

حسين السيد
حسين السيد

بقلم: حسين السيد


حرىٌّ بنا ونحن فى شهر القرآن أن نعرف كيف ظهر القرآن الكريم مسموعا مرتلا، فإذا كان الصديق أبو بكر هو أول من بدأ جمعه، إثر موت كثير من القراء فى حروب الردة، وعثمان بن عفان رضى الله عنه هو صاحب أول مصحف واحد، لكثرة المصاحف وتعددها، فإن المصحف المرتل - أو الجمع الصوتى - هو الجمع الثالث للقرآن، كما أن جمال عبدالناصر هو أول رئيس يجمع فى عهده القرآن الكريم مسموعا مرتلا، لكن كيف كان كذلك؟
أبطال هذا المشروع أربعة، هم: الدكتور لبيب السعيد رئيس جمعية المحافظة على القرآن الكريم، والمراقب العام بمصلحة الاستيراد والأستاذ المنتدب بجامعة عين شمس، والشيخ محمود خليل الحصرى، والوزير أحمد طعيمة، والفنان محمد فوزى.
يروى أحمد طعيمة، وكان وزيرا للأوقاف من سنة 1959 إلى 1961، فى كتابه "شاهد حق – صراع السلطة"، كيف بدأ المشروع، فيقول:"طلب مقابلتى المرحوم الأستاذ لبيب السعيد، واقترح علىَّ تسجيل القرآن مرتلا، وشكا من أنه أمضى عدة سنوات محاولا تنفيذ المشروع ولكن بلا جدوى، فاستدعيت الشيخ سيد سابق والشيخ محمد الغزالى إلى مكتبى، وطلبت منهما مناقشة الأستاذ لبيب السعيد فى مشروعه، وجاء رأيهما بأن هذا المشروع جدير بالتنفيذ فنفذته فورا".
 إن بواعث الدكتور نبيل السعيد على تسجيل القرآن صوتيا تشبه بواعث أبى بكر الصديق عند جمع القرآن، الخوف من موت القراء والحرص على تسجيل القرآن، وقد سجل السعيد تجربته فى كتابه "الجمع الصوتى الأول للقرآن الكريم – بواعثه ومخططاته"، فيقول:"أعود إلى ما قبل إعلانى عن مشروع المصحف المرتل ببضع سنين لا أستطيع تحديدها بدقة، منذ يومئذ وأنا أحس أن جمعًا صوتيًّا بكل قراءاته المتواترة والمشهورة أمرٌ يجب أن ينهض به أهل هذا الزمان، وكنت أُتابع فى المقارئ الكبرى بالقاهرة المتميزين من علماء القراءات، وكان يؤلمنى أنه كان إذا مات منهم أستاذٌ حاذقٌ خَلَفَه أحيانًا مَن لا يَعدِله أستاذيةً وحذقًا، وضاعت على المسلمين إلى الأبد مواهب الميِّت؛ لأنها لم تُسجَّل".
ويتابع: "ما كان أعظم شعوري بالخسارة الفادحة المستمرة على مدى الزمن في القرَّاء الذين يَموتون! ذلك أن إنتاجهم - بطبيعته - غير إنتاج غيرهم من أصحاب العلوم والفنون، فهؤلاء يستطيع الواحد منهم بفضل الكتابة أن يواصل بعد موته الحياة فى إنتاجه، أما أصحاب التراث الصوتى، وفى مقدمتهم القُرَّاء، فكان تراثهم يَفنَى بفنائهم؛ لأن العلم لم يكن اهتدى بعدُ إلى طرائق تسجيل هذا التراث. وحتى بعد الاهتداء، تأخر تسجيل المصحف أمدًا غير قصير".
إذن اختمرت الفكرة فى ذهن الدكتور لبيب السعيد منذ وقت بعيد، لكنه لم يجد المال اللازم، فقام عرضها على المسئولين الذين لم يرحبوا بها أول الأمر خشية ألا تلقى ترحيبا من الجمهور، وها هو يشكو إلى الوزير أحمد طعيمة أنه أمضى عدة سنوات لتنفيذها لكنه يفشل فى كل مرة.    
واحتُفى بمشروع الدكتور لبيب السعيد أيما احتفال، ونال رضا واستحسانا كبيرين من كل أرجاء العالم الإسلامى، وألقيت فيه الأشعار فهذا الشاعر أحمد المراغى يقول:
أبشر (لبيب) فأنت أصل تلاوة
ستظل خالدة على الأزمان
لاحت كما لاح الشهاب على الدجى
وبدت تباركها يد الرحمن.
•    أما الوزير أحمد طعيمة فرغم قصر مدته فى وزارة الأوقاف لكن كانت له إسهامات تدل على مدى ورعه وتقواه وغيرته الشديدة على دينه، فهو الذى احتضن مشروع المصحف المرتل، ورد على تحريف إسرائيل للقرآن بأن طبع وبكميات كبيرة النسخة الأصلية من التلمود، ففضح أمرهم وأسرارهم ومخططاتهم الشيطانية. كما أنشأ المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وحلقات لتحفيظ القرآن، وبناء المساجد، ومؤسسة الزكاة بالمرج، وغيرها من الأعمال العظمية التى تشهد بحرص هذا الرجل على إعلاء كلمة الله.
•    أما الشيخ الحصرى فقد سجل القرآن بصوته دون أن يتقاضى مليما واحدا، وكان من الممكن القضاء على المشروع فى بدايته، لولا أن الشيخ تبرع بأجره، وقضى الساعات الطوال لتسجيل القرآن، فيحكى الوزير أحمد طعيمة أن قراء آخرين طالبوا بمبالغ مالية تصل إلى خمسة آلاف جنيه لكل منهم، وهو ما لم يملكه، فلما تطوع الشيخ الحصرى حلت المشكلة. وظل الشيخ يقرأ اثنتى عشرة ساعة يوميا ليظهر تسجيل القرآن كاملا فى أثناء الاحتفال بعيد ثورة 23 يوليو سنة 1960.
•    ويأتى دور الفنان والمطرب محمد فوزى الذى له دور كبير فى ظهور هذا المشروع للنور؛ حيث يمتلك فوزى مصنع أسطوانات، فيقول الوزير طعيمة: كانت الأسطوانات ترسل للخارج لصنع النسخة الأصلية التى يتم الطبع عليها، ولم تكن شرائط التسجيل ظهرت بعد.. فقررالفنان محمد فوزى أن تدفع الوزارة ثمن التكلفة الفعلية للأسطوانات دون أى ربح يحصل عليه.
•    وفى النهاية يؤكد الوزير طعيمة أنه: كان لتسجيل القرآن المرتل صوتيا آثار بعيدة المدى، فقد حرصت جميع محطات الإذاعات الإسلامية على إذاعته فى برامجها، حتى أن الاهتمام أثار الأمريكان، فجاءنى السفير الأمريكى زائرا فى الوزارة طالبا نسختين من الأسطوانات لمكتبة الكونجرس.
وجاء المصحف المرتل فى الوقت المناسب؛ حيث انتشرت مصاحف محرفة آنذاك، فذكر الدكتور لبيب سعيد أن إسرائيل وزعت نسخا محرفة من القرآن فى كل من المغرب وغانا وغينيا ومالى ودول إفريقية أخرى، ومن مظاهر هذا التحريف إحداث أكثر من ألف خطأ مطبعى ولظفى فى مائة ألف نسخة من القرآن، كذلك حذف "لا" النافية من بعض المواضع ليكون المعنى عكس ما نزل به القرآن، وحذف كلمة "ليست" فى الآية "وقالت اليهود ليست النصارى على شىء، وقالت النصارى ليست اليهود على شىء"، أيضا حذف كلمة "غير" من " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين"، وحذف آيتى سورة الممتحنة "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين.." كل هذا أدى إلى إنشاء إذاعة القرآن الكريم فى مارس 1964 لدرء هذا التحريف. 

 


 

 

ترشيحاتنا