إعداد: بسملة خلف
من نافلة القول أن يقال بتفشى ظاهرة الرشوة فى المجتمعات، تحت مسميات عدة، كالعمولة، والأتعاب، والاكراميات، والبقشيش، ونحو ذلك، والرشوة: عبارة عما يقدم من مال أو غيره الى من بايديهم مصالح الناس، بغية وصول الانسان الى حقه، أو ابطال حق غيره، أو الحصول على ما لا حق له فيه.
والرشوة سلوك سيء، لعن الله فاعله، اذ روى عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال: «لعن الله الراشى والمرتشى والرائش»، فلعن فى الرشوة ثلاثة: مقدمها، واخذها، والواسطة بينهما، ان كان بين الراشى والمرتشى وسيط يقوم بنقلها من الأول الى الثانى، وهذا اللعن لا يكون إلا على امر حرمه الشارع، وقد اعتبرها الشارع اكلا لأموال الناس بالباطل، قال تعالى: «لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل، وتدلوا بها الى الحكام لتأكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم وانتم تعلمون».
كما عدها سحتا يأكله المرتشى، فقال سبحانه فى شأن اليهود الذين من ديدنهم اكل السحت، واستحلال الرشوة: «سماعون للكذب اكالون للسحت»، واعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدايا التى يأخذها العاملون فى الدولة غلولا، اى خيانة للأمانة، اذ روى عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: «هدايا العمال غلول»، ولهذا انكر على قبول بعض العاملين على جباية أموال الزكاة من المصدقين، ما أهدى اليه بصفته جابيا لهذه الأموال، اذ روى عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: «ما بال الرجل نوليه على صدقات الناس، فيأتينا ويقول: هذا لكم، وهذا اهدى لى، افلا قعد فى بيت ابيه وامه، فنظر أيهدى اليه ام لا»، وخيانة الأمانة منافية للايمان، فقد روى عن انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أيمان لمن لا امانة له، ولا دين لمن لا عهد له».
اقرأ أيضًا: نعيب دعاتنا والعيب فينا
واذا كان ضياع الوازع الدينى، والرغبة فى الثراء السريع، من اسباب تفشى هذه الظاهرة، فان ما يتوسل به الى القضاء عليها، هو نشر الوعى الدينى، وتذكير من لديهم الاستعداد النفسى لاقتراف هذا المنكر، بالوعيد الشديد الذى يناله من أقدم على تقديم الرشوة او سهل الحصول عليها أو أخذها، بالاضافة الى الطرد من رحمة الله تعالى، يضاف الى هذا التذكير غرس القيم والاخلاق الدينية فى نفوسهم، وحثهم على مراقبة الله تعالى فى كل ما يصدر عنهم، ووزن أعمالهم بميزان الشرع، وتذكيرهم بسير السلف الصالح رضوان الله عليهم، الذين رفضوا اخذ هذه الرشاوى، أو تقديمها الى احد، والذين منهم عبدالله بن رواحة، رضى الله عنه، الذى حاول اليهود ان يقدموا اليه رشوة، عندما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى خيبر، ليقسم غلة الأرض بين اهلها وبين المسلمين، وفقا للصلح الذى تم بينهم، حيث رفض عبدالله بن رواحة ما قدموه له من مال وحلى وهدايا، قائلاً لهم: «أن هذا سحت، والمؤمنون بالله ورسوله لا يأكلون السحت، ولا يحملنى حبى لمحمد وبغضى لكم، على ان اظلم او اجور او اميل مع قومى دونكم»، فقال اليهود: بهذا قامت السماوات والارض.
ومنهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه الذى رفض - وهو خليفة المسلمين - ان يعاونه احد من الرعية ولو بسقى إبله او ابل احد ابنائه، تورعا من تقديم منفعة اليه على سبيل الرشوة، ومنعا من أن يتهم باستغلال نفوذه، اويثهم احد ابنائه باستغلال نفوذ ابيه فى الحصول على ما ليس من حقه.
أ . د . عبدالفتاح ادريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة
تم نشره بتاريخ الخميس 28 من صفر1421هـ، 1 من يونية 2000 م



