لم يكن شيخًا للأزهر الشريف، ولكن اسمه ارتبط بلقب الإمام، لما له من مكانة السبق والتقديم فى علوم الدين والتجديد فيها، والدعوة الدائمة إلى الإصلاح؛ إنه الشيخ الإمام الأستاذ محمد عبده، المفتي الثاني للديار المصرية.
وُلد فضيلته رحمه الله بقرية محلة نصر بمحافظة البحيرة سنة 1266هـ/1849م، وقد بدأ تعلم القراءة بمنزل والده وهو فى السابعة من عمره، ثم أرسله والده إلى الجامع الأحمدي بطنطا عام 1862م، حيث تلقى أول دروس تجويد القرآن حتى أتم حفظ القرآن الكريم وتجويده، ثم بدأ فى تلقي الدروس العلمية بالجامع الأحمدي عام 1864م، وبعدها التحق بالدراسة بالأزهر سنة 1866م، ونال شهادة العالمية فى 13 جمادى الأولى سنة 1294هـ الموافق 25 مايو 1877م، ثم عُيِّن بعدها مدرسًا بدار العلوم عام 1878م، وتتلمذ على أيدى كبار العلماء المشهود لهم بسعة العلم والمعرفة مثل الشيخ درويش خضر، والشيخ حسن الطويل، والشيخ جمال الدين الأفغاني.
اقرأ أيضًا: من الصحابة إلى الإمام محمد عبده: كيف تعامل المسلمون مع الآثار؟
تعلّم اللغة الفرنسية وهو قاضٍ فى «عابدين»، وسنه إذ ذاك نحو الأربعين، حتى تمكَّن منها، فاطلع على القوانين الفرنسية، وترجم كتاب سبنسر فى التربية من الفرنسية.
ورأس تحرير جريدة الوقائع المصرية عام 1880م، حيث قام رياض باشا، رئيس النظار فى عهد الخديوي توفيق، بتعيينه فى جريدة «الوقائع المصرية»، وكانت مهمته التحرير والكتابة فى القسم الخاص بالمقالات الإصلاحية الأدبية.
وفى سنة 1881م عُيِّن عضوًا فى المجلس الأعلى للمعارف العمومية، ثم قاضيًا بالمحاكم الشرعية عام 1889م، ثم مستشارًا لمحكمة الاستئناف عام 1891م، ثم عضوًا بمجلس إدارة الأزهر سنة 1895م، وفى سنة 1899م صدر مرسوم خديوي وقَّعه الخديوي عباس حلمي الثاني بتعيين الشيخ محمد عبده مفتيًا للديار المصرية.
وكان منصب الإفتاء يضاف لمن يشغل وظيفة مشيخة الجامع الأزهر فى السابق، وبهذا المرسوم استقل منصب الإفتاء عن منصب مشيخة الجامع الأزهر، وصار الشيخ محمد عبده أول مفتٍ مستقل لمصر معين من قِبَل الخديوي عباس حلمي، وقد أصدر خلال فترة توليه الإفتاء حوالي (944) فتوى مسجلة بسجلات دار الإفتاء.
كما عُيِّن فضيلته عضوًا بمجلس شورى القوانين فى 18 صفر سنة 1317هـ الموافق 25 يونيو 1899م، وإليه يرجع الفضل فى إنشاء مدرسة القضاء الشرعي، كما انتخب رئيسًا للجمعية الخيرية الإسلامية عام 1900م، فوطد دعائمها، وخطت بهمته وحسن إدارته خطوات ناجحة، كما أسس فى نفس العام جمعية إحياء العلوم العربية.
وله العديد من الفتاوى المهمة عن الوقف وقضاياه، والميراث ومشكلاته، والمعاملات ذات الطابع المالي والآثار الاقتصادية، مثل البيع والشراء والإجارة والرهن والإيداع، والوصاية والشفعة والولاية على القُصَّر، والحكر والحجر والشركة وإبراء الذمة، ووضع اليد والديون واستقلال المرأة المالي والاقتصادي.
ظل الشيخ محمد عبده مفتيًا للديار المصرية ست سنوات كاملة حتى وفاته عام 1905م، وقد قام محمد عبده بكتابة وتأليف وشرح عدد من الكتب، منها: «رسالة التوحيد»، وتحقيق وشرح «البصائر القصيرية للطوسي»، وتحقيق وشرح «دلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» للجرجاني، وكتاب «الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية»، وفى هذا الكتاب قام بمقارنة بين الدينين الإسلامي والمسيحي وأثرهما فى العلم والمدنية، كما قدّم تقرير إصلاح المحاكم الشرعية سنة 1899م.



