الحقيقة المطلقة - الموت الذي لا فرار منه والرحيل المكتوب

محمود فوزي
محمود فوزي

بقلم: محمود فوزي
في صخب هذه الحياة وتسارع خطانا فيها، ننسى، أو نتناسى، حقيقة كبرى تظلل الوجود بأسره. حقيقة تصدح بها الآية الكريمة في كتاب الله كإعلان حتمي لا رجعة فيه:

اقرأ أيضا| غرس بذور الخير

﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
هذه الآية تختزل فلسفة الوجود والرحيل؛ فالموت ليس مجرد نهاية، بل هو اللقاء المؤجل الذي يركض المرء بعيدًا عنه، ليجده في نهاية المطاف واقفًا أمامه.

الضيف المباغت والميزان العادل
الموت هو الكلمة الوحيدة التي تخبرك عن ضيف سيحلّ بك رغمًا عنك، دون سابق إنذار، ودون تحديد لموعد الزيارة أو استئذان. إنه الحقيقة المطلقة الوحيدة التي يتساوى أمامها بنو البشر جميعًا.

تلاشي الفوارق:
في حضرة الموت، يسقط الجاه، وينتهي الثراء، وتتلاشى المناصب، فلا يفرق بين غني وفقير، ولا بين حاكم ومحكوم.
الموت حارس الحياة وبداية الأبدية

قد ينظر البعض إلى الموت على أنه نهاية مظلمة، لكن الرؤية الأعمق تكشف أنه ليس عدوًّا للحياة، بل هو حارسها الذي يمنحها معناها وقيمتها. فلولا الموت، لما استشعر الإنسان قيمة الوقت، ولما طمح في تقديم الأفضل.

العاقل وتحويل الفكرة إلى حافز للعمل

إن الإنسان العاقل الفطن ليس هو من يستسلم لرهبة الموت فيصاب بالشلل واليأس، بل هو من يجعل من فكرة الرحيل حافزًا ومحركًا للعمل الصالح. لقد حثنا الإسلام الحنيف على الاستعداد لهذا اليوم بترك الأثر الصالح الذي لا ينقطع بموت الإنسان ولا يطويه النسيان، كما أخبرنا محمد صلى الله عليه وسلم عن الثلاثة التي تبقى للمرء:

•    الصدقة الجارية: نهر من الحسنات يتدفق للعبد في قبره، كحفر بئر أو بناء مسجد
•    العلم النافع: فكر أو معرفة تُورَّث للأجيال، تضيء عقولهم، وتُرفع بها درجات صاحبها. 
•    الولد الصالح: ذرية طيبة تدعو له بظهر الغيب، وتستغفر له بعد رحيله. 

إن الاستعداد الحقيقي للموت لا يكمن في الخوف والاعتزال، بل في تطهير القلب من الأحقاد، والوفاء بحقوق العباد، والمسارعة إلى التقرب إلى الله في السر والعلن.

 

ترشيحاتنا