عصر المقارنات القاتلة - لماذا لم يعد أحد راضيًا؟

شحاتة زكريا
شحاتة زكريا

بقلم: شحاتة زكريا
ربما لم يعش الإنسان، في أي زمن سابق، تحت هذا القدر الهائل من المقارنات كما يعيش اليوم. ففي الماضي كانت حياة الناس أبسط، وحدود المعرفة بما يملكه الآخرون أضيق، وكانت المسافات النفسية بين البشر أكثر اتزانًا أما الآن، فقد أصبح الإنسان يستيقظ يوميًّا ليجد نفسه داخل معرض مفتوح لا ينتهي، يرى فيه نجاحات الآخرين، وصور سعادتهم، وأسفارهم، ومظاهر الرفاهية والإنجازات التي تُعرض كل لحظة على شاشات الهواتف، وكأن العالم كله يعيش حياة مثالية… إلا هو.

اقرأ أيضا| حين يتحول الطموح إلى عبء
 

وهنا تبدأ واحدة من أخطر أزمات العصر الحديث: أزمة الرضا ذلك الشعور الداخلي الذي كان يومًا مصدر طمأنينة الإنسان واستقراره النفسي، أصبح يتآكل تدريجيًّا تحت ضغط المقارنات المستمرة، واللهاث وراء صورة حياة تبدو أكثر بريقًا وكمالًا مما هي عليه في الحقيقة.

لقد غيرت مواقع التواصل الاجتماعي شكل نظرتنا لأنفسنا وللآخرين، فبدلًا من أن تكون وسيلة للتواصل، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة مفتوحة لاستعراض النجاحات والمظاهر واللحظات المنتقاة بعناية. الجميع يعرض أفضل ما لديه، بينما يخفي تعبه وضعفه وانكساراته. لكن المشكلة أن المتلقي لا يرى إلا الصورة المكتملة، فيبدأ بمقارنة حياته الواقعية، بكل ما تحمله من تعب وضغوط وأخطاء، بصورة أخرى مصنوعة بعناية، ومفلترة بالتجميل والإخراج والانتقاء.

ومع الوقت تتحول المقارنة إلى عادة نفسية مرهقة. لم يعد الإنسان ينظر إلى ما يملكه بقدر ما ينظر إلى ما ينقصه مقارنة بغيره. لم يعد يقيس نجاحه بما حققه، بل بما حققه الآخرون. وهنا يفقد الإنسان واحدة من أهم نعم الحياة: الشعور بالقناعة.

الأخطر أن هذه الحالة لم تعد مرتبطة فقط بالأمور المادية، بل امتدت إلى كل شيء تقريبًا: الشكل، والعمل، والعلاقات، وعدد المتابعين، ونمط الحياة، وحتى المشاعر الإنسانية نفسها أصبح البعض يقارن حياته العاطفية بما يشاهده في المقاطع القصيرة، ويقارن نجاحه المهني بحكايات لا يعرف حقيقتها، ويقارن يومه العادي بحياة استثنائية يتم عرضها على مدار الساعة. وهكذا يدخل الإنسان في سباق نفسي لا نهاية له.

كلما وصل إلى شيء، ظهر أمامه ما هو أكبر وأغلى وأكثر بريقًا، فيشعر أن ما يملكه لا يكفي أبدًا، وكأن العصر الحديث نجح في تحويل الرغبة الطبيعية في التطور إلى حالة دائمة من عدم الرضا والاستنزاف الداخلي.

الحقيقة أن المشكلة لا تكمن فقط في كثرة ما نراه، بل في طبيعة الثقافة التي أصبحت تحكم العالم المعاصر؛ ثقافة تقوم على الاستهلاك، والمظاهر، والسرعة، وتجعل قيمة الإنسان مرتبطة أحيانًا بما يملك لا بما هو عليه. ولهذا أصبح كثير من الناس يشعرون بأنهم متأخرون عن الحياة، حتى وهم يحققون إنجازات حقيقية؛ لأن المقاييس نفسها تغيرت، وأصبحت السعادة عند البعض مرتبطة بصورة يتم التقاطها أكثر من ارتباطها بشعور داخلي حقيقي.

ولعل من أخطر ما أنتجته هذه الحالة أنها خلقت أجيالًا تعيش تحت ضغط نفسي مستمر دون أن تدرك ذلك؛ فالعقل البشري لم يُخلق ليقارن نفسه بملايين البشر كل يوم. الإنسان بطبيعته يحتاج إلى مساحة من السلام الداخلي، إلى شعور بأنه يعيش حياته وفق ظروفه الخاصة، لا وفق سباق عالمي مفتوح لا يهدأ. لكن المنصات الرقمية جعلت الإنسان يرى كل شيء طوال الوقت، فيشعر دون وعي أن عليه أن يحقق كل شيء، وفي أسرع وقت.

ولهذا لم يعد غريبًا أن تزداد معدلات القلق والاكتئاب والاحتراق النفسي، خاصة بين الشباب. والمفارقة المؤلمة أن كثيرًا ممن يظهرون بصورة مثالية على مواقع التواصل يعانون هم أنفسهم من القلق وعدم الرضا؛ لأن المشكلة ليست في حجم ما يملكه الإنسان، بل في حالة المقارنة المستمرة التي تجعله يشعر دائمًا أن هناك من يسبقه، أو يتفوق عليه، أو يعيش أفضل منه.

لقد علمتنا الحياة قديمًا أن الرضا لا يعني التوقف عن الطموح، بل يعني ألّا يتحول الطموح إلى نار تلتهم أعصاب الإنسان وسلامه الداخلي. فالإنسان يمكنه أن يسعى، ويتطور، ويحلم، لكن دون أن يعيش في حالة دائمة من جلد الذات والشعور بالنقص.

وقد وضع الإسلام منذ البداية أساسًا عظيمًا لحماية النفس من هذا الاستنزاف النفسي، حين قال محمد صلى الله عليه وسلم:
“انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألّا تزدروا نعمة الله عليكم.”

لم يكن الحديث دعوة إلى الاستسلام أو قتل الطموح، بل كان دعوة لحماية القلب من التحول إلى ساحة دائمة للمقارنات القاتلة.
فالإنسان الذي يفقد قدرته على الامتنان لما لديه، لن يشعر بالشبع مهما امتلك، والقلب الذي يعتاد النظر إلى ما في أيدي الناس سيظل قلقًا حتى لو حقق الكثير.

وربما لهذا السبب أصبحنا نرى كثيرين يمتلكون وسائل الراحة، لكنهم يفتقدون الراحة نفسها. يمتلكون كل شيء تقريبًا… إلا الطمأنينة؛ لأن الطمأنينة لا تُشترى، ولا يصنعها “الترند”، ولا تأتي من مقارنة النفس بالآخرين، بل من التصالح الداخلي، والشعور بقيمة الحياة كما هي.
فليست المشكلة أن ترى نجاح الآخرين… بل أن تنسى نعمتك وأنت تنظر إليهم.

 

ترشيحاتنا