بقلم : عبد الرحمن خلف هاشم الجميلي
لا شك أن أي إنسان يتمنى أن يكون لديه مورد ثابت يدخل عليه باستمرار كنهرٍ جارٍ، والدول مثلها مثل الأفراد، فجميع الدول تتمنى أن تمتلك موارد دائمة كالنفظ والغاز والمعادن وغيرها، وهذا بلا شك أمر جميل يتمناه كل عاقل، لكن هل تساءلنا يومًا: هل الأمر خيرٌ محض؟ أم أن له جانبًا آخر؟
لا شك أن أي نعمة مهما كانت عظيمة يمكن أن تنقلب إلى نقمة إذا أسيء استخدامها؛ فالصحة والقوة والمال وغيرها قد تكون سببًا في البناء أو سببًا في الهلاك بحسب طريقة التعامل معها.
سنحاول فهم السلبيات التي تنتج عندما تكون الدولة ريعية يأتيها الخير باستمرار دون أن تعتمد على الإنتاج الحقيقي.
شاع عندنا أن البلدان تكون مزدهرة عندما تكون موازناتها عالية، وتدخل إليها أرقام كبيرة من المال، وتُنفذ فيها المشاريع هنا وهناك، وتكون القدرة الشرائية مرتفعة عند عموم الناس.
مشهد جميل بلا شك، لكنه قد يخفي خلفه أزمة كبيرة ليست اقتصادية فحسب، بل تتعلق بطريقة تفكير الفرد والدولة معًا.
فالبلدان الريعية التي تعتمد بشكل أساسي على مصدر دخل واحد، ولا تقوم على الإنتاج الحقيقي، تعاني من أزمة طال الزمن أم قصر؛ لأنها لا تبني ازدهارها على تنوع اقتصادي قائم على الصناعة والزراعة وسائر القطاعات المنتجة، بل يبقى مصيرها مرهونًا بمورد تظنه دائمًا كالنهر، وهي لا تعلم أن حتى الأنهار قد تنخفض مناسيبها لسبب ما.
وفرة المال مع مرور الوقت تخلق شعورًا غريبًا بين الفرد والدولة، فبدل أن يكون المواطن مشروعًا للبناء والدفاع، يتحول شيئًا فشيئًا إلى إنسان يتعامل مع الوطن كأنه صراف آلي يأخذ منه راتبه آخر الشهر دون أن يشعر بأنه جزء من عملية الإنتاج والعطاء.
وبمرور الزمن تضعف عنده قيمة البذل، ويخفت بريق المبادرة، فيتحول السؤال من:
"ماذا سأنتج؟" إلى: "ماذا سأكسب؟"
المشكلة ليست في وجود الثروات، بل في طريقة التعامل معها عندما لا تُستثمر في تعليم قوي، واقتصاد متنوع، ومؤسسات إنتاجية حقيقية.
فعندما يصبح الفرد والدولة متكئين بالكامل على الثروة الريعية، ويكون هذا المورد هو السبيل الوحيد للحياة الاقتصادية، يصبح استقرار البلد مرهونًا بعوامل خارج إرادته؛ لأن الوضع الدولي لا يسمح دائمًا ببيع ما تريد وقتما تريد.
الثروات الريعية قد تتحول ـ من حيث لا نشعر ـ إلى سبب رئيسي في جمود المجتمع، فيصبح حلم أغلب الشباب هو الحصول على وظيفة حكومية مضمونة ومريحة، وتتحول الدولة إلى المصدر الوحيد للحركة الاقتصادية، وعندها يصبح الاقتصاد هشًا لا يقاوم أبسط الأزمات والتقلبات.
وعبر التاريخ تعلمنا أن البلدان التي لا تنوع مصادر دخلها تبقى ضعيفة مهما بدت قوية؛ لأن القوة الحقيقية ليست فيما تملك، بل فيما تستطيع إنتاجه وتطويره باستمرار.
فعندما تصبح الثروة بديلًا عن العمل، تتخرج أجيال لا تبحث إلا عن الوظيفة لأنها تعفيها من التعب والمخاطرة وبذل الجهد، ومع مرور الوقت تتضخم البطالة المقنعة، وتضعف المهارات، وتخفت روح الإرادة والإبداع.
الثروات نعمة عظيمة بلا شك، لكن النعمة وحدها لا تصنع أمة قوية، ما لم تُحول إلى علم وإنتاج وإنسان قادر على البناء.



