بقلم: أحمد هارون
بعد أن يحدد المحقق الكتاب الذي يُراد تحقيقه، فإنه يقوم بعد ذلك بجمع مصوَّرات من نسخ الكتاب. وقد سهلت التقنية الحديثة إجراءات التعرف على المخطوطات والوصول إليها عن طريق استخدام الإنترنت للتعرف على أماكن المخطوطات في العالم، ثم بطلب تصويرها. ويفضَّل أن تتم الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في تصوير المخطوط، وذلك بتصويره بكاميرا تعمل بنظام الديجيتال (الرقمي)، فإن كانت بعض الكلمات غير واضحة في التصوير العادي فيمكن قراءتها على هذا التصوير بطريقة أوضح.
ولا ينبغي للمحقق أن يقتصر على نسخة واحدة وله نسخ أخرى، بل لا بد من جمع النسخ المختلفة، ويتم التعرف عليها بطرق كثيرة، منها:
الرجوع إلى الكتب التي فهرست للمخطوطات، ككتاب بروكلمان، وكتاب فؤاد سزكين، وكتاب المستدرك عليه من مطبوعات مجمع الفقه الإسلامي، وكتاب (الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط في الحديث النبوي الشريف وعلومه ورجاله) من طبع المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن، وكتاب (جامع الشروح والحواشي) للشيخ عبد الله بن محمد الحبشي، وكتاب (المعجم المصنف لمؤلفات الحديث الشريف) للأستاذ محمد خير رمضان يوسف.
قاعدة معلومات المخطوطات العربية في العالم التي أنشأها مركز الملك فيصل، المسماة (خزانة التراث)، وهي فهارس المخطوطات الإسلامية في المكتبات والخزانات ومراكز المخطوطات في العالم، تشتمل على معلومات عن أماكن وجود المخطوطات وأرقام حفظها في المكتبات والخزائن العالمية، وهي موجودة في المكتبة الشاملة في الإصدار الجديد (الإصدار الثالث) وما بعده.
بعض المراكز المتخصصة في جمع المخطوطات، مثل معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، ومركز جمعة الماجد بدبي، ومركز البحث العلمي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، هذا بالإضافة إلى مكتبات بعض الجامعات العربية والإسلامية، مثل مكتبة جامعة الرياض، ومكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ومكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ودارة الملك عبد العزيز، إضافة إلى مكتبة الملك فهد الوطنية، ومكتبة الملك عبد الله بن عبد العزيز الجامعية وغيرها.
فهارس المخطوطات، وهي تعطينا فكرة عامة عن المخطوط ومكان وجوده، وصفته، وناسخه، وتاريخ النسخ، وغير ذلك مما يعطينا فكرة أولية عن الكتاب وطبيعته. وهناك أيضًا كتب تتحدث عن مخطوطات لفنون معينة، مثل (المؤلفات في الحديث وعلومه في العهد الجمهوري في تركيا)، و(التصنيف في السنة النبوية وعلومها في القرن الخامس الهجري)، وهما مطبوعان في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، وتراث المغاربة في الحديث النبوي وعلومه للشيخ محمد بن عبد الله التليدي.
المطلب الثالث: دراسة النسخ
بعد الانتهاء من جمع النسخ، فإن المرحلة التالية على المحقق هي قيامه بدراسة النسخ المختلفة. وتقوم هذه الدراسة على انتقاء النسخة المتقدمة تاريخيًا، مع ما تتميز به من جودة في الضبط والكتابة والعناية بها لدى العلماء، وما فيها من سماعات وتملكات وغير ذلك. ولا شك أن نسخة المؤلف هي المقدَّمة، والتي يمكن أن نسميها نسخة الأم، تليها النسخة التي قُرئت عليه، وأثبت بخطه أنه قرأها أو قُرئت عليه، ثم تليها النسخة التي نُقلت عن نسخة المصنّف، وتمت مقابلتها بها، ثم نسخة كُتبت في عصر المصنّف، عليها سماعات على عالم متقن ضابط، ثم نسخة أخرى كُتبت بعد عصر المؤلف، وفيها يُقدَّم الأقدم على المتأخر كما ذكرنا.
المطلب الرابع: منهج التحقيق
بعدما يتم اختيار الكتاب، ثم جمع نسخه، ثم الموازنة بين هذه النسخ، ينتقل المحقق إلى الأعمال التي تخدم الكتاب، وتنحصر في الأمور الآتية:
1- نسخ المخطوط:
يتم النسخ عن النسخة الأم المعتمدة أصلًا على الآلة الكاتبة (الكمبيوتر)، ويُراعى في الرسم الإملاء الحديث، وتكميل الاختصارات والرموز التي يجدها في النسخة، وتنظيم مادة النص وتنسيقه، والاعتناء بترقيم النصوص قدر الاستطاعة، وضبط النص بالشكل، ولا سيما الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والشعر والأعلام المشتبهة، ويلتزم بالشكل في المواضع التي يؤدي فيها تركه إلى التباس المعنى أو انغلاقه.
2- المقابلة:
المقابلة تُعد منهجًا في غاية الدقة، وهي من أدق وسائل تجنب السقط. وأذكر كلمة الأخفش التي يقول فيها: "إذا نُسخ الكتاب ولم يُعارض، خرج أعجميًّا". وقد عقد الخطيب البغدادي في "الكفاية" فصلًا بعنوان: "باب المقابلة وتصحيح الكتب". فالمحقق بعد أن يتم النسخ على نسخة الأم يقوم بالمقابلة بين المنسوخ وهذه النسخة، ثم يقابل المنسوخ أيضًا على بقية النسخ الأخرى التي يرمز لها برموز معينة، ويضع كل ما كان زائدًا أو مصححًا على نسخة الأصل بين معقوفين، مع ذكر الحجة في ذلك في الحاشية، إلا إذا كانت نسخة الأصل بخط المؤلف، فيثبت عندئذٍ الخطأ في المتن ويصححه في الهامش، ويعلل المحقق ما يذهب إليه من ترجيح لعبارات أو ألفاظ تخالف ما عليه نسخة الأصل.
وينبغي أن نشير إلى أنه يمكن أن يلجأ إلى طريقة ما يُسمى "النص المختار"، وهو الاعتماد على جميع النسخ مع الإشارة في الهامش إلى الفروق بينها. وهذه الطريقة لا يُلجأ إليها في الغالب إلا إذا لم يجد المحقق نسخة ذات قيمة علمية تتميز بها عن غيرها من النسخ.



