(قراءة تأصيلية من خلال واقعة نبش قبر الشيخ الفكي محمد أحمد ود. كرجي رحمه الله)
بقلم: محمد رجب أبو تليح الأزهري
عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف
تُعدّ واقعة "نبش" قبر الشيخ الفكي محمد أحمد ود. كرجي، بقرية الصقيعة، بشرق الجزيرة بالسودان، وما أعقبها من اختطاف الجثمان إلى مكان مجهول، نموذجًا معاصرًاً يستدعي وقفة فقهية وتأصيلية شرعية، لا سيما في ظل ما رافقها من خطابات تتعارض مع ثوابت الشريعة في تعظيم حرمة الأموات. ونتناول رصد هذه الحادثة وتأطيرها الشرعي على النحو التالي:
- سفاهة عقول المعتدين:
كما نشرتُ قبل أيام أخبار عن "نبش الوهابية" الخوارج لقبر الشيخ الفكي محمد كرجة بقرية الصقيعة بشرق الجزيرة بالسودان الحبيب! واختطاف جثمانه لمكان مجهول .. فجاءت تعليقات ذيولهم بالشماتة والسخرية قائلين: طالما هو ولي لماذا لم يدافع عن نفسه؟!
كما تم الرد عليهم بأن الوليّ عبدُ الله تعالى، ليس عبدك ولا عبد نفسه، فلا تجري له كرامة إلا بإذن الله تعالى لأن الأمر كله لله، ويكفي خزيّا لهم أنه قد شاء الله تعالى بما يسوّد وجوههم بإكرام هذا الوليّ الصالح رضي الله عنه وأرضاه، فقد حقّقَت السلطات في هذه الجريمة واستعادوا جثمانه الشريف والحمد لله، فوجدوا جثمانه سليمًا كما هو، حفظه الله تعالى ولم تأكله الأرض، من عام ١٩٨٩ م.
وأجساد الأولياء كما هو معروف ومقرر عند أهل العلم من الأجسام التي لا تبليها الأرض، لكرامتهم على الله عزّ وجل.
وانطلاقاً من هذه الواقعة، يُطرح إشكال شرعي فقهي يستلزم الرجوع إلى نصوص الوحيين وأقوال أهل العلم، لتأصيل حكم النبش وضوابطه، مع إضافة بُعدٍ عقدي مهم يتعلق بفضيلة أولياء الله وتعظيم حرمتهم، على النحو المثبت شرعاً وفقهيًا للمنهجية العلمية والشرعية، وتعد واقعة نبش قبور الصالحين المتعمد، نموذجًا معاصرًا يستدعي وقفة فقهية وتأصيلية شرعية، لا سيما في ظل ما رافقها من خطابات تتعارض مع ثوابت الشريعة في تعظيم حرمة الأموات عامة، والصالحين على وجه الخصوص.
ولنأخذ الشيخ الفكي محمد كرجة - رحمه الله رحمة واسعة- مثالًا فقد ذكر في ترجمته أنه : كان رجلًا عالمًا، حافظاً لكتاب الله وحفّظ كتاب الله، ودَرَّس العلوم الشرعية ردحًا من الزمان في خلوته التي قُبر فيها منذ عشرات السنين، وله عدد كبير من طلاب العلم داخل وخارج السودان الذين نهلوا من علومه، وتربوا على يديه، شأنه في ذلك شأن ورثة النبوة الذين جمعوا بين العلم وتكريم الله لهم بالولاية، قال الناظم:
إنما ولي الله من يرتضي *** كل ما يرتضيه الإله
وانطلاقاً من هذه الواقعة، يُطرح إشكال شرعي فقهي يستلزم الرجوع إلى نصوص الوحيين وأقوال أهل العلم، لتأصيل حكم النبش وضوابطه، مع إضافة بُعدٍ عقدي مهم يتعلق بفضيلة أولياء الله وتعظيم حرمتهم، على النحو المثبت شرعاً وفقهًاً وفق المحاور العلمية التالية.
- المحور الأول: فضل أولياء الله وتعظيم حرمتهم أحياء وأمواتاً (تأصيل قرآني ونبوي):
قبل الخوض في أحكام النبش، لا بد من تأصيل شرعي لمرتبَة أولياء الله وحرمتهم، فإن معرفة قدر الوليّ تُورث تعظيم حرمته حيًا وميتًا، وتُحذر من المساس بكرامته بعد مماته.
٢ - تعريف الولاية ومن هم أولياء الله عزّ وجل:
أولياء الله عز وجل هم المؤمنون المتقون، كما نصت الآية الكريمة: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-63]، فالولاية ليست منصبًا وراثياً ولا مقامًا يُدّعى، بل هي ثمرة الإيمان والعمل الصالح، فمن جمع بين الإيمان وفعل الأوامر واجتناب النواهي فهو لله ولي بقدر إيمانه وتقواه.
قال الناظم:
وللأولياء أثبتن الكرامة *** ومن يخالف فانبذن كلامه .
وقد ثبتت ولاية الله لعباده الصالحين في القرآن والسنة النبوية الشريفة:
- أدلة القرآن الكريم في تعظيم أولياء الله:
- قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: 62]، فهذه البشرى لهم في الدنيا والآخرة تدل على رفعة منزلتهم وكرامتهم عند ربهم.
- وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، والتكريم عام في جنس بني آدم، لكنه يتضاعف للمؤمنين المتقين، ويشمل حياتهم ومماتهم.
وأثبت الله تعالى كراماتهم في غير آية من القرآن الكريم، على سبيل الذكر لا الحصر:
قوله تعالى في قصة مريم عليها السلام: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: 37]، وهي كرامة إلهية لوليّة من أولياء الله، تدل على أن الله يُجري الخوارق لأوليائه تأييداً لهم؛ وفي الآية دليل على أن الأولياء لله عز وجل في الجنسين: (الذكر والانثى) من عباده الصالحين.
والايات الدالة على فضل الأولياء وكراماتهم كثيرة في القرآن الكريم، غير أننا اقتصرنا على ما سبق اكتفاء بالدليل المطلوب في هذه القضية.
- أدلة السنة النبوية في فضل الأولياء وحرمتهم:
١ - الحديث القدسي الصحيح: أن الله قال:« من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب». [رواه البخاري[
وهذا أعظم دليل على تعظيم حرمة أولياء الله، فمن آذاهم فقد أعلن الله له الحرب، والحرمة هنا تشمل الحي والميت، لأن العداوة قد تكون بالقول أو الفعل أو الانتقاص من قدرهم بعد مماتهم.
المحور الثاني: كرامات الأولياء وحقيقتها عند أهل السنة:
أجمع سلف الأمة وأهل السنة على إثبات كرامات الأولياء، وهي أمور خارقة للعادة يُجريها الله تعالى على أيدي عباده المؤمنين، تأييدًا لهم أو نصرة للدين، وهي من جنس المعجزات لكنها ليست مقرونة بالتحدي كالأنبياء. ومن أمثلة ذلك: نطق الرضيع في قصة جريج العابد، وإطعام الله لمريم عليها السلام في غير أوانه، وإضاءة عصا أسيد بن حضير وعباد بن بشر في الليلة الظلماء. وهذه الكرامات لا تُثبت الولاية بذاتها، بل المرجع في معرفة الولي هو موافقته للكتاب والسنة، كما قال الشافعي رحمه الله: "إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة".
المحور الثالث: حرمة الأولياء بعد الممات:
إن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته، بل تتضاعف في حق العلماء والأولياء، لأنهم ورثة الأنبياء، وحفظ كرامتهم بعد الموت من تعظيم شعائر الله. وقد ثبت أن الصحابة كانوا يتورعون عن المساس بقبور الصالحين.
المحور الرابع: التأصيل القرآني والنبوي لحرمة القبور والنهي عن انتهاك حرمتها:
- وهنا نتناول الحكم الشرعي حول حرمة نبش القبور في الإسلام. حتى تعلموا كم أنه لا مذهب للخوارج الحاقدين إلا التطرف، حتى مذاهب العلماء تلفظهم وتلفظ أفعالهم.
إن الشريعة الإسلامية قد عظّمت حرمة الإنسان، فلم تبح هتك حرمته لا حيًا ولا ميتًا، بل أمرت بتكريمه ودفنه وصيانة جسده بعد موته، وعدّت الاعتداء على القبور من أعظم الجرائم الشرعية. وقد دلت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال علماء أهل السنة والجماعة على حرمة نبش القبور وتحريمه تحريمًا قطعيًا، وذلك لما يلي:
أولًا : أدلة القرآن الكريم
١ - قال تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [سورة عبس: 21] فهذا أمر الله بدفن الإنسان تكريمًا له وصيانة لبدنه، مما وعده من نعمه عليه، بل وبعث الله قديمًا الغراب ليعلم ابن آدم كيف يكرم أخاه ويواريه في قبره، سترًا وتكريمًا له، مما يدلل على حرمة الاعتداء على القبور عامة، والصالحين خاصة.
٢ - قال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [سورة المرسلات: 25-26] أي أن الأرض كفاتًا أي وعاء يجمع، وتضم الأموات وتحفظ حرماتهم، فلا يجوز نبش قبورهم لغير حاجة شرعية لازمة.
وهذا مرده إلى تكريم الله لبني آدم عامة، أحياء وامواتًا، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [سورة الإسراء: 70] والتكريم يشمل الحياة والممات.
- ثانياً: أدلة السنة النبوية الشريفة:
١ - قال النبي ﷺ: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر». (رواه مسلم). فما بالكم بمن ينتهك حرمات الميت عمدًا لغير ضرورة شرعية؟!
٢ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي ﷺ :«كسر عظم الميت ككسره حيًا». (رواه أبو داود وابن ماجه).
والعبرة هنا: أن كسر عظم الميت أو نبش قبره معصية عظيمة خطيرة ككسر عظام الحي، مما يدل على مساواة حرمة الأموات بالأحياء حكمًا شرعيًا واحدًا.
- المحور الخامس: الإجماع الفقهي وتقريرات أهل السنة:
- قال النووي: "يحرم نبش القبر، سواء كان لميت مسلم أو ذمي، لما فيه من هتك حرمة الميت، وهي كحرمته حيًا". (روضة الطالبين 2/140)
- وقال ابن قدامة المقدسي: "لا يجوز نبش القبر ولا شقه بعد دفن الميت إلا لضرورة؛ فإن النبش هتك لحرمته، وهو أشبه بكشف عورته". (المغني 2/191)
وقال القرطبي: "فيه دلالة على تعظيم حرمة الميت، وإكرامه بدفنه، وصيانة بدنه عن الإهانة والهتك". (تفسير القرطبي عند قوله تعالى: {فأقبره}).
فتبين لنا بذلك: أن الحكم الشرعي في نبش القبور بغير ضرورة شرعية من كبائر المعاصي. يستوجب الإثم الشديد وقد يلحق فاعله باللعنة إن قصد الإهانة أو الهتك، لأن انتهاك الحرمات من المحرمات الكبرى وهو من الاعتداء المحرم قطعًا، وعدوان سافر على حدود الله، ولا يقره دين ولا مروءة ولا عقل وهو اعتداء على أمر الله في خلقه، ومفارقة لأدب الدين، ومفسدة عظيمة في الأرض.
- المحور السادس: الضوابط الشرعية والاستثناءات المقيدة في الفقه الإسلامي المقارن:
- إن نبش قبور الأموات عامة، والصالحين خاصة من كبائر المعاصي، فإن الله تعالى جعل حرمة المسلم من أكبر الحُرمات، روى ابن ماجه: أن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ : « مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ ؛ مَالِهِ وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا » . و حرمة المسلم غير مقيدة بحياته ، بل هي باقية في الحياة و بعد الممات و يجب صونها و الذب عنها في كلّ حال ، و على كلّ حال .
وقد سبق حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن عبد الله بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما شهد جِنَازَةَ مَيْمُونَةَ أم المؤمنين رضي الله عنها بِسَرِفَ فَقَالَ : ( هَذِهِ زَوْجَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلا تُزَعْزِعُوهَا وَ لا تُزَلْزِلُوهَا و ارْفُقُوا ) .
و لا شك أن في نبش القبور و نقل ما فضل من آثار الموتى في الألحاد ، انتهاك حرمةٍ أوجب الله تعالى حفظها و صيانتها و الدفاع عنها . و عليه فإن التحريم هو الأصل في نبش قبور المسلمين ، و لا يُعدَل عن هذا الأصل إلا في حالات بيّنها أهل العلم و هي على نوعين :
- النوع الأول : نبش القبر لغاية محددة لا يجوز التوسع فيها عن مقدار الضرورة ، و يجب إعادة دفن رفاة الميت في نفس الموضع الذي نُبِشَ فور بلوغ الغاية المبرِّرَة لنبشه .
قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله [ كما في المغني : 2/412 ] : ( و إن وقع في القبر ما له قيمة نُبِشَ و أُخْرِج . قال أحمد : إذا نسي الحفّار مِسحاته في القبر جاز أن ينبش عنها ، و قال في الشيء يسقط في القبر مثل الفأس و الدراهم يُنبَش ؟ قال : إذا كانت له قيمةٌ … ] . و قال الخطيب الشربيني [ كما في مغني المحتاج ] : ( إذا دفن في أرض أو في ثوب مغصوبين و طالب بهما مالكهما فيجب النبش ، و لو تغير الميت ، و إن كان فيه هتك حرمة الميت ليصل المستحق إلى حقه ) .
ثانياً : إذا كان مع المدفون مالٌ مقوّم غير يسير فينبش قبره ، و يستخرج المال الذي معه ، ثمّ يسوى عليه القبر ثانية . و قد استدل بعض أهل العلم على جواز نبش القبر لاستخراج مالٍ دُفن مع الميت بما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه و سلم يَقُولُ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إلَى الطّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ : ( هَذَا قَبْرُ أبي رِغَالٍ ، وَ كَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يُدْفَعُ عَنْهُ ، فَلَمّا خَرَجَ أصَابَتْهُ النّقْمَةُ الّتِي أصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا المَكَانِ فَدُفِنَ فِيهِ ، وَ آيَةُ ذَلِكَ أنّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ ، إنْ أنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أصَبْتُمُوهُ مَعَهُ ) . فابتدره الناس ، فاستخرجوا الغصن . والله أعلم .
ثالثاً : الاضطرار إلى تشريح الجثة لمعرفة صاحبها إن لم يكن معروفاً عند الدفن أو قبله ، أو للتثبت من وقوع جنايةٍ ما و تحديد الجناة الذين تسببوا في قتل النفس المدفون صاحبها بغير وجه حق ، على ما يجري عليه العمل في العصر الحاضر ، و في هذه الحال لا بد من الرجوع إلى رأي طبيب مسلمٍ ثقةٍ في عملية النبش و التشريح ، كما ينبغي الرجوع إلى إذن ولاة المتوفى.
وكذلك: نبش القبر بقصد نقل ما فيه من جثمان أو رفاة إلى موضعٍ آخر مغاير لمدفنه الأصلي ، لمصلحة شرعية تتعلّق بالميت نفسه ، أو بغيره من الأحياء ، و يتضح هذا القسم في ثلاث صور ذكرها أهل العلم ، و هي : نقل الرفاة من قبرٍ إلى قبرٍ آخر، كأن يكون في أرضٍ سبخةٍ أو ذات مفاوِزَ و أغوار ، أو مجرى لنجاسة و نحوها ، أو عرضة لنبش السباع الضارية ، أو للتوسعة على الميت في لحده أو قبره .
حتى ابن تيمية رحمه الله [ كما في مجموع الفتاوى 24: /303 ] : الذي يتمسح فيه رؤوس هذه التيارات قال: [ لا ينبش الميت من قبره إلا لحاجة ؛ مثل أن يكون المدفن الأول فيه ما يؤذي الميت فينقل إلى غيره كما نقل بعض الصحابة في مثل ذلك ] . و لعله إلى ما رواه البخاري في :[ باب هل يُخرَج من القبر و اللحد لعلّةٍ ، من جامعه الصحيح بسنده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، أنه قال : ( لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ : مَا أُرَانِي إِلاّ مَقْتُولاً فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَ إِنِّي لا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ ، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ ، وَ اسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا ، فَأَصْبَحْنَا ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ ، وَ دُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرَكَهُ مَعَ الآخَرِ ؛ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ؛ فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ ) .
قال ابن حجر رحمه الله : قوله : ( باب هل يخرج الميت من القبر و اللحد لعلة ) أي لسبب ، و أشار بذلك إلى الرد على من منع إخراج الميت من قبره مطلقًا ، أو لسبب دون سبب ، كمن خص الجواز بما لو دفن بغير غسل أو بغير صلاة ، فإن في حديث جابر الأوّل دلالة على الجواز إذا كان في نبشه مصلحة تتعلق به من زيادة البركة له ... وفي حديث جابر الثاني دلالة على جواز الإخراج لأمر يتعلق بالحي لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه، وقد بين ذلك جابر بقوله " فلم تطب نفسي " .اهـ. قلت : و يدخل تحت ما تقدم نقل الميت المسلم من مقابر الكفار إلى مقابر المسلمين ، و العكس .
- أو : أن تكون الأرض التي دُفن فيها الميت مغصوبة ، فيجب إزالة القبر منها بنقله إلى مكان آخر ، و تمكين صاحبها الأصلي منها إلاّ أن يصّدَّق ( يتنازل ) عن طيب نفس .
وفي ختام قولنا نؤكد على: إن نبش القبور أو الاعتداء عليها محرم قطعًا، ومن العدوان السافر على شرائع الله، ولا يقره دين ولا مروءة ولا عقل. ومن أقدم على ذلك فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، ويجب إنكار فعله والتحذير منه. ومما ثبت عن جمهور علماء أهل السنة والجماعة: "نبش القبور اعتداء على أمر الله في خلقه، ومفارقة لأدب الدين، ومفسدة عظيمة.
ولقد أظهرت هذه الواقعة المذكورة، ومناقشتها بما استندنا إليه من نصوص شرعية وتقريرات فقهية، أن حرمة القبور ليست مسألة فرعية تخضع للاجتهاد الظني، بل هي أصل قطعي مستند إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة وإجماع علماء الأمة عبر العصور. وقد تجلّت هذه الحرمة بوضوح في حال الشيخ الفكي محمد أحمد ود كرجي، حيث كان انتهاك قبره مخالفة صريحة للنصوص التي سقناها، بينما كان حفظ الجثمان سالمًا بعد عقود من الدفن تجليًا إلهيًا يصدّق ما قرّره الفقهاء من أن حرمة الميت كحرمته حيًا، وأن الاعتداء عليه كبيرة موجبة للإثم واللّعنة إن لم تتداركها توبة أو ردّ للمظلمة.
وإن تعظيم أولياء الله من تعظيم شعائر الدين، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]، ومن أعظم الشعائر حفظ كرامة العلماء والصالحين أحياءً وأمواتاً، وصون قبورهم من العبث والانتهاك. وما ورد في هذا البيان من أدلة قرآنية، وأحاديث نبوية صحيحة، وأقوال النووي وابن قدامة والقرطبي والسخاوي وابن حجر والخطيب الشربيني وابن تيمية وغيرهم، يُشكّل نسقًا فقهيًا متكاملاً يُثبت أن النبش محرم أصلًا، ولا يُرخّص فيه إلا لضرورات شرعية ضيقة مُقيّدة بإعادة الدفن الفوري، أو لمصلحة راجحة ثابتة كإخراج مال مقوّم، أو تشريح جنائي بإذن وليّ الدم وطبيب ثقة، أو نقل قبر من أرض مغصوبة أو أرض آيلة للضرر، أو قبور دارسة لمصلحة عامة قاهرة. وما عدا ذلك فهو تعدٍّ على حرمة أوجب الله صونها، ومخالفة لسنة النبي ﷺ في الرفق بالميت وتعظيم حرمة المؤمن بعد وفاته.
ونسأل الله سبحانه أن يحفظ حرمة الأموات، وأن يردّ الأمة إلى هدي الكتاب والسنة، وأن يطهّرها من كل فكرٍ يكسر حرمة الميت أو يهتك ستر المسلم، وأن يجزي الشيخ الفكي محمد كرجة خير الجزاء على ما قدّم من علمٍ وتعليمٍ وتربيةٍ للأجيال.
والحمد لله رب العالمين.



