قلب وقلم

قراءة جيدة.. ولكن!

عبدالهادي عباس رئيس تحرير جريدة اللواء الإسلامي
عبدالهادي عباس رئيس تحرير جريدة اللواء الإسلامي

يُسجل الملاحظات بدقة متناهية فتتشاكل الظنون في المخايل، وتبدأ التنبؤات بدرجات هذا القارئ الصغير؛ يُعدّل من وضع نظارته، ويُرهف سمعه إلى كل حرف وحركة ينطق بها المتسابق؛ الذي أعلم يقينًا أنه يهلع من مجرد القراءة أمام هذا العالم الكبير؛ وقد سمعت عددًا من كبار القراء بالجامع الأزهر ترتعد فرائصهم من مجرد ذكر اسمه؛ لأنه المقياس الذي تُقاس عليه جودة التلاوة؛ فإما أن تمرّ من أمامه سالمًا أو تقع في شر أعمالك، ولو بهفوة بسيطة؛ فلا محاباة في ضبط كتاب الله.  

"قراءة جيدة.. ولكن"؛ هذه هي الجملة البسيطة التي توقف قلوب ملايين المشاهدين، قبل قلب المتسابق، حين ينطق بها الشيخ حسن عبد النبي عراقي، وكيل لجنة مراجعة المصحف، عندما يقوم بالتدقيق في تلاوات المتسابقين في البرنامج المتفرد "دولة التلاوة".. حين يبدأ القارئ في القراءة تكون لدينا جميعًا آراء مختلفة وانحيازات تجاه كل متسابق، ما بين الالتزام بالأحكام، وخامة الصوت، والوقف والابتداء؛ حتى يأتي تفصيل الشيخ حسن عبد النبي للتلاوة فينتصر أحدنا على الآخر، ونزداد تشويقًا انتظارًا للنتيجة النهائية التي لا يغضب منها أحد؛ فلا مجاملة عند الالتزام بأحكام التلاوة، ولا مهادنة في قواعد الوقف والابتداء، ولا تفويت لأي لحن جلي؛ فهي أحكام القاضي العادل التي يرضى بها الجميع عن طيب خاطر، مهما كان انحيازنا لقارئ دون غيره؛ بل هي الأحكام التي يرضى بها القارئ نفسه، وإن تسببت في خروجه من المسابقة، دون أن يرضى بغيرها وسيلة لنجاحه؛ لأن التزام أحكام القرآن الكريم أمر مؤسّس لكل قارئ وليس رفاهية تتلون بالمجاملات؛ وهذا ما يجعل القارئ نفسه حريصًا على أحكام التلاوة، ليس فقط لأنها ستكون سببًا في انتقاله إلى المرحلة التالية من المسابقة؛ ولكن لأنها الكيان الأول الذي تقوم عليه تلاوته وإجادته وثقة مشايخه فيه، ومن ثم لإقبال الناس عليه؛ فلا طلاوة لصوت يخطئ في كتاب الله أو يتساهل في أحكامه.

***

لقد خلق برنامج "دولة التلاوة" حالة أسرية إيجابية، وأسهم في اقتراب المصريين بصورةٍ أعمق من المصطلحات القرآنية، التي لا يعرفها غير المتخصصين في علوم القراءات وأساتذة الأصوات والمقامات.. ولا تنفك أسرتي تسألني عن: اللحن الجلي، والوقف والابتداء، ومقامات الجهار والرست والنهاوند؛ ولماذا يتميز كل قارئ بمقام منها؟ وغيرها من الأسئلة التي أصبحت تشغل الأسرة المصرية، بعيدًا عن مهارف التفاهات التي شغلت عقول أبنائنا فترات طويلة؛ ومن ثم أصبحت النقاشات الأسرية حول أساليب القراء في التلاوة، وما الصوت الأقرب للشيخ عبد الباسط، أو الشيخ البنا، ومن يُقلد الشيخ المنشاوي، وهل التقليد مقبول ومن أهداف المسابقة، أم أنه على القراء الجدد تكوين مدارس شخصية تنبع من دواخلهم، وغيرها من النقاشات التي تُلجئنا إلى تسجيلات كبار القراء لنقارن بين كل واحدٍ منهم؛ فنجد أنها فاكهة شتى، كلها طيبة، فنقطف من كل منها حسب حاجة أذواقنا؛ حتى اشتركت أسرتنا جميعًا في دوراتٍ تدريبية للتجويد عن طريق برامج المحمول؛ وهي من حسنات التكنولوجيا، وخطوة فاعلة نحو الإتقان القرائي لكتاب الله.

منذ اللحظة الأولى وثقت في قرارات د. أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، ليس فقط لأنه أحد أولياء الله الصالحين؛ ولكن لأنه مثقف واع يملك نظرة فاحصة لمكانتنا الثقافية الريادية، ويسعى لإعادة تشكيلها ودعمها بقوتنا الناعمة الغالبة، وهي الاهتمام بأهل الله وخاصته، أهل القرآن الكريم؛ كما أنني أعلم أن هناك برامج جديدة يتم الإعداد لها لإكمال هذه القفزة الهائلة في طريق تجديد الخطاب الديني.

 

ترشيحاتنا