محمد الحجوي بين فقه التراث وفقه النهضة: السياق والتأسيس

د. محمد بشاري
د. محمد بشاري

الحلقة الاولى بقلم:د. محمد بشاري

في أواخر القرن التاسع عشر، كان المغرب يعيش مرحلة مفصلية تتسم بالاضطراب السياسي والاجتماعي والفكري. فقد تراكمت أزمات الداخل من ضعف البنية السياسية وتدهور التعليم وركود الاقتصاد، مع ضغوط الخارج المتمثلة في الزحف الاستعماري الأوروبي، واحتدام المنافسة على النفوذ بين القوى الكبرى. في هذا المناخ المشحون بالتحديات ظهر محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي، حاملاً مشروعًا إصلاحيًا يتجاوز حدود الوعظ والخطابة إلى إعادة بناء العلاقة بين الفقه والواقع، وبين الشريعة والعمران السياسي والاجتماعي.

تكوّن الحجوي في بيئة علمية مالكية صارمة، حيث تلقى علوم الفقه والأصول على طريقة القرويين، وحفظ المتون وتدرج في مراتب المعرفة الشرعية. غير أن هذه النشأة التقليدية لم تمنعه من الانفتاح على مشاغل المجتمع وهموم الدولة، بل جعلته يدرك مبكرًا أن أزمة الفقه في عصره ليست في النصوص المؤسسة، وإنما في طرائق التلقي ومناهج الاستنباط التي انفصلت عن حركة الواقع. فالموروث الفقهي، كما عايشه، كان يراوح مكانه داخل أسوار المذهب، غارقًا في جزئيات العبادات ومسائل الفروع، بينما تظل قضايا العمران والعدل والسياسة العامة خارج مجال النظر الجاد.

لقد كانت الحياة العلمية في المغرب آنذاك محكومة بمنطق التقليد، إذ تُستعاد نصوص القرون السابقة بلا مساءلة، ويتحول التعليم الشرعي إلى عملية تلقين جامدة تنفصل عن الحاجات الاجتماعية والسياسية. وفي مواجهة هذا الوضع، برز الحجوي باعتباره فقيهًا إصلاحيًا يرى أن الشريعة ليست مجرد منظومة طقوسية لتنظيم العبادة، بل هي أيضًا هندسة حضارية لإعمار الأرض وحماية الجماعة، وأن الفقه لا يمكن أن يظل أسيرًا لمقولات صيغت في سياقات ماضية، بل ينبغي أن يستعيد قدرته على الاجتهاد في النوازل العامة.

من هنا جاءت رؤيته لضرورة تحرير الفقه من أسر الجزئيات والقيود المذهبية الصارمة، وإعادته إلى أفقه المقاصدي الواسع. وقد تجلى هذا بوضوح في كتابه "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي"، الذي لم يكتف فيه برصد مسار تطور الفقه، بل قرأه قراءة تحليلية، كاشفًا عن مراحل القوة والضعف، ومبرزًا أثر السياقات السياسية على بنية الاستنباط. فقد اعتبر أن الفقه مرّ بلحظات انحسار حين استسلم للتكرار، وأن النهضة الفقهية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر استعادة المنهج الأصولي المقاصدي الذي يربط النص بروح التشريع.

لم يكن الحجوي مجرد ناقد يكتفي بالتشخيص، بل كان يعي أن أي إصلاح فقهي يستدعي إصلاحًا جذريًا في التعليم. وقد هاجم النمط التقليدي السائد في القرويين، ورأى أنه فقد صلته بالحياة العملية، داعيًا إلى دمج العلوم الحديثة والمعارف الإنسانية في التكوين الفقهي. كان يؤمن أن الفقيه في الدولة الحديثة يجب أن يكون على دراية بالقوانين، والاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، حتى يتمكن من إصدار الفتاوى التي تعالج قضايا المجتمع والدولة على السواء.

في موقفه من الدولة الحديثة، لم يتبنّ الحجوي الموقف الرافض جملةً ولا الموقف القابل دون قيد. بل دعا إلى التمييز بين النظم التي تتعارض مع أصول الشريعة وتلك التي تحقق مصالحها، معتبرًا أن السياسة الشرعية قادرة على استيعاب أشكال التنظيم المعاصر إذا كانت خادمة للعدل وحافظة للحقوق. هذه الرؤية الوسطية مكّنته من التعامل مع الحداثة القانونية والإدارية الوافدة من موقع النقد والانتقاء، لا من موقع القطيعة أو الاستسلام.

كما أن تجربته في العمل الإداري والسياسي أكسبته وعيًا عمليًا بطبيعة العلاقة بين الفقه والسلطة. فقد شغل مناصب في الدولة، وشارك في النقاشات الإصلاحية التي دارت حول القضاء والتعليم، وكان شاهدًا على محاولات الاستعمار الفرنسي إعادة تشكيل المنظومة القانونية والثقافية للمغرب. ومن خلال هذه التجربة أدرك أن الإصلاح الفقهي لا يمكن أن يظل معلقًا في فضاء التنظير، بل يجب أن يترجم إلى سياسات ومؤسسات قادرة على حماية المجتمع وتنظيمه.

لقد مثّل الحجوي في هذه المرحلة صوتًا إصلاحيًا يجمع بين الوفاء لأصول المذهب المالكي والانفتاح على أدوات الاجتهاد المعاصرة، وبين النقد الجريء للتقاليد الجامدة والسعي العملي لتحديث البنية التعليمية والفقهية. وكانت نزعته المقاصدية واضحة في كل مشاريعه، حيث يرى أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد، وأن حفظ هذه المصالح يقتضي فقهًا حيًا قادرًا على قراءة الواقع وإبداع الحلول.

إن مشروع الحجوي في هذه الحلقة التأسيسية يمكن تلخيصه في إعادة ربط الفقه بوظيفته العمرانية، وتحريره من الانغلاق المذهبي، وإصلاح التعليم الديني، وإقامة جسر بين الشريعة ومؤسسات الدولة الحديثة. هذه المحاور لم تكن مجرد شعارات نظرية، بل أسس عملية بنى عليها لاحقًا رؤيته لفقه النهضة، الذي يتجاوز الفتاوى الجزئية إلى وضع تصورات كبرى لعلاقة الشريعة بالعصر، ولإمكانات الجمع بين الأصالة والمعاصرة في خدمة الأمة.

بهذا المعنى، كان محمد الحجوي أحد أوائل من أدركوا أن النهضة لا تُستورد جاهزة، وأنها لا تتحقق بمجرد استعارة القوانين والنظم، بل تحتاج إلى عقل فقهي متجدد، يستمد قوته من نصوص الوحي، ويستوعب في الوقت نفسه سنن الاجتماع الإنساني، فيعيد إلى الفقه دوره كمحرك للعمران وضابط للسلطة وحامٍ للنسيج الاجتماعي.

 

ترشيحاتنا