عزلة لا تؤذى

أميرة إبراهيم
أميرة إبراهيم

أعتقد أن الابتعاد عن صخب الحياة ليس ضعفا، ولا أن تفضّل العزلة دليل جفاء، بل  في كثير من الأحيان قمة النضج، وضرورة للنجاة. ففي أحيان كثيرة، لا يُشفى القلب إلا إذا انسحب قليلا من ضجيج هذا العالم، وأغلق نوافذه أمام الطاقات السلبية التي تعكر صفو الروح، واختلى بذاته في استراحة من معارك الحياة، ومن همومها، ومن الناس الذين أثقلوه يوما بما لا يحتمل.

ففي زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتشابك فيه العلاقات، وتتكاثر فيه التوقعات، بات اختيار العزلة رحمة يهبها الإنسان لنفسه المتعبة التي أنهكها الخذلان، واستهلكتها المجاملات الزائفة. فلم تعد كل العلاقات صادقة، ولا كل المجالس مريحة، ولا كل الوجوه كما كانت؛ فكثير من الابتسامات تخفي ضجرا، وكثير من الكلمات تُقال بلا نية، وتترك بلا أثر.

وسط هذا الزيف، تشتهي الروح عزلة لا تؤذي، وهدوءا لا يكسر، ولحظة صفاء لا تشوبها المجاملات، وعلاقة نقية مع الله وحده، تكفي لتجبر ما تهشّم في الداخل، ولترد إلى القلب سكينته التي ضاعت بين الضوضاء وكثرة الاقنعة.

أن تعيش ببساطة هو أن تخلع عنك ما ليس لك، أن تتحرر من أثقال الآخرين، ومن صراعات لا تعنيك، أن تتنازل عن المجاملات التي تستهلك روحك، وتكتفي من الحياة بالقليل الصادق الذي لا يؤلمك. هو أن تعتذر عن حضور لا ترتاح فيه، وأن تحفظ وقتك لما ينفعك، وأن تمنح مشاعرك لمن يستحقها فقط، لا لمن يستهلكها دون اكتراث.

قال أحد السلف: «إذا رأيت قلبك يضيق في الزحام، ويأنس في الخلوة، فاعلم أن الله يريد بك خيرًا». فليست كل عزلة مرضا، ولا كل كثرة صحبة صحة، بل قد تكون في العزلة شفاء، وفي الصمت حكمة، وفي البعد عن ضجيج الناس قرب من الله لا يُقدَّر بثمن.

ربما لسنا بحاجة إلى المزيد من العلاقات، بل إلى مزيد من الصدق. لا إلى كثرة الكلام، بل إلى عمق السكينة. وربما تكون أكثر لحظاتنا صدقا وسعادة، تلك التي نكون فيها وحدنا، بلا أقنعة، بلا ضغوط، فقط نحن والله... وهذا وحده كافٍ تماما.

 

ترشيحاتنا