بقلم: الشيخ أحمد صلاح
جسَّدت الهجرة النبوية الشريفة أعظم معاني الإيمان، والصبر، والتضحية، والتوكل على الله، وكانت نموذجًا عمليًا لصناعة التغيير الحقيقي في واقع الفرد والمجتمع. وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات، تبقى الهجرة مدرسة تربوية وروحية تُعلّمنا كيف نُحدث الفرق، ونرسم طريق الإصلاح بثبات وإيمان.
نعم، تحمل الهجرة النبوية في طيّاتها دروسًا وعبرًا عظيمة، من أبرزها: قيمة الوقت وأهمية استثماره، فقد عمل النبي صلى الله عليه وسلم ليل نهار في مكة لا يخشى في الله لومة لائم، ولا يثنيه تهديد أو طمع عن دعوة العباد إلى رب العباد، وعن تربية أصحابه تربية جعلت العقيدة الإسلامية أحبّ إلى قلوبهم من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وأزواجهم وعشائرهم، ومن أموالهم وتجارتهم ومساكنهم.
ثلاثة عشر عامًا قضاها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة في جهد متواصل، وتربية عميقة، وصبر على الأذى، وتخطيط حكيم، لم يذوقوا خلالها طيب العيش ولا راحة البال، حتى إذا خُيِّروا بين رغد العيش وسعة المال، وبين الخشونة والغربة والهجرة، اختاروا ما اختاره الله ورسوله: الهجرة في سبيله.
وحدث الهجرة، بما يحمله من معانٍ سامية، يجسد قيم الشجاعة والتضحية والصبر والتوكل على الله والثقة في نصره، والاعتزاز بالانتماء إليه مهما اشتد كيد الأعداء. لقد شكّلت الهجرة نقطة تحوّل حاسمة في مسيرة الدعوة الإسلامية، إذ بذر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة النواة الأولى للدولة الإسلامية، واتخذ من مسجده مركزًا للعبادة والتوجيه والاجتماع، حيث اجتمع فيه المسلمون لتدارس شؤونهم العامة وإقامة شعائرهم.
ومن المدينة بدأت الدعوة الإسلامية تنتشر في القبائل، وما لبثت أن أصبحت المدينة المنورة مركز إشعاع روحي وفكري، وموئل أنظار العرب، مهابة الجانب، راسخة الأركان، يُحسب لها ألف حساب.
إن حدث الهجرة يذكّر المسلمين في كل زمان ومكان، أن لا إصلاح لهم ولا فلاح، إلا بما صلح به أولهم، وأن العودة إلى التوحيد، والاعتصام بحبل الله، ونبذ الشقاق والخصام، هو السبيل إلى العزّة والنصر والرقي في جميع مجالات الحياة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾، فما أحوج المسلم اليوم، وهو يستقبل عامًا هجريًا جديدًا، أن يعي هذه المعاني، ويعيشها بقلبه وعقله ومشاعره، وأن يفيق من غفلته، وينتبه من غفوته، ليجدد العهد مع الله، ويبدأ عامه بإرادة التغيير والسير على هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم.



