عرض: إيهاب نافع
دراسة د. ياسر القاضي تؤكد:
نزول القرآن على سبعة أحرف أتاح تلاوته بعدة صيغ
الأحرف والقراءات جزء لا يتجزأ من علوم القرآن
اللغة العربية تحظى بتنوع واسع في النطق والظواهر اللغوية
يؤكد د. ياسر قاضي، رئيس مجلس الفقه لأمريكا الشمالية، وعميد المعهد الإسلامي بأمريكا، أن مسألة الأحرف والقراءات والعلاقة بين مفهوميهما تُعد جزءًا لا يتجزأ من علوم القرآن.
وبالرغم مما حظيت به هذه المسألة من بحوث كثيرة قديمًا وحديثًا، فإن كثيرًا من جوانبها لا يزال يكتنفه الغموض.
ومع الأسف، فإن أكثر الأقوال شهرةً وذيوعًا في الوسط العلمي حول ما يخص هذه المسألة لم يقدم إجابات شافية حتى الآن عن كثير مما يرد عليه من إشكالات أو يثيره من تساؤلات، مع أن هذه الأقوال قد اشتهرت بين الدارسين على نحو قد يضفي عليها صبغة الاستقرار والتحقيق.
يوضح د. قاضي، في دراسة له بعنوان: (الأحرف السبعة : دراسة في بيان وجاهة القول بـ«الرخصة الإلهية» في الأحرف)، أنه في الآونة الأخيرة نُشرت عدة أوراق بحثية تحمل رؤية جديدة، مع محاولة نسبتها إلى أقوال بعض المتقدمين تصريحًا أو تلميحًا، وقد استطاعت هذه الرؤية بالفعل أن تجيب على العديد من التساؤلات وتحل بعض الإشكالات التي عجزت عنها الرؤى الذائعة.
اقرأ أيضا| مسجد الأم - يحكي قصة المسلمين الأوائل بأمريكا
ومع أنها تثير إشكالات أخرى، فإنها تبقى أكثر ملاءمةً وانسجامًا مع الآثار والأخبار التي بين أيدينا حول هذه المسألة.
مشيرًا إلى كونه حاول تبني وجهة النظر الداعمة لتلك الرؤية، ومن ثم سعى لتوضيح ملاءمتها للأخبار، ودفع ما يرد عليها من إشكالات واعتراضات، وأن هذه الدراسة تخاطب من لديه معرفة مسبقة وفهم متين للآراء المتعددة المرتبطة بطبيعة الأحرف، والجدل حول اشتمال المصاحف العثمانية عليها، بالإضافة إلى الآراء المنقولة حول العلاقة بين القراءات والأحرف.

ويؤكد أن من يقول بأي من الرأيين يؤمن بقدسية القرآن الكريم وحفظه، وأنه الوحي الإلهي الخاتم والمحفوظ، وأن هذا الدرس مبني على أساس من الإيمان الراسخ بصحة نقل القرآن الكريم وسلامته، ويُقدَّم من منظور مؤمن يحترم عمق التراث ويعتز بثراء المنقول بفضل الله وتوفيقه، بما في ذلك الآراء المقبولة إجمالًا بين أهل العلم.
مستدركًا أن الدافع من وراء هذا الدرس ما أدت إليه بعض الدراسات القرآنية الحديثة، التي بُنيت على أساس التحليل اللغوي العميق مع المقارنة بين المخطوطات القديمة والقراءات المختلفة، من الإسهام في إثارة الشكوك والتساؤلات حول بعض جوانب النص القرآني، خصوصًا لدى المسلمين الذين يعيشون في البلاد الغربية، الذين يتعرضون لموجات من الإلحاد والتشكيك في الدين؛ ومن ثم نسعى في هذا الدرس لاستكشاف وجهات نظر بديلة قد توفر فهمًا أوضح لبعض الجوانب التي شابها بعض الغموض أو الإشكال.
ويضيف أن هذا النهج لا يأتي لإثراء الحوار العلمي فقط، بل ليمثل مخرجًا فكريًا وإيمانيًا لمن يجد نفسه مترددًا أو غير مقتنع بالمشهور من آراء الجمهور، وعساه يجد في هذه المادة رأيًا بديلًا يكون مصدرًا لإجابات أكثر إقناعًا وأيسر قبولًا، تعزز وتجدد ثقته في النص القرآني العظيم. ومن ثم فالقارئ الذي يثق بالرأي السائد والمشهور بين العلماء لن يجد في هذا البحث جديدًا ذا بال، غاية الأمر أن يؤكد اعتقاده ويعزز يقينه وإيمانه بإذن الله، وكفى بذلك فضلًا ونعمة.
ويوضح أن الدراسة تشتمل على تمهيد، وثلاثة أقسام، وخاتمة. جاء في التمهيد الرأي السائد والمشهور في الأحرف، وأورد عليه خمسة عشر سؤالًا تبرز إشكالاته. أما القسم الأول فيقدم فيه النموذج البديل مع أدلته والقائلين به، وكيفية تفسير الوقائع التاريخية -مثل جمع عثمان للمصحف- عند من يرى هذا النموذج. كما يلخص في القسم الثاني بعض الاعتراضات الموجهة على هذا الرأي والإجابة عليها. ويرجع في القسم الثالث إلى الأسئلة الخمسة عشر ويجيب عنها بمنظور الرأي البديل.
وفي الخاتمة يلخص أهم النتائج التي توصل إليها، وأقترح بعض الجوانب التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.
لهجات العرب
ويبين د. ياسر أن ما يعنيه بالرأي السائد حاليًا هو: أن الأحرف في الأساس هي اختلافات بين لهجات العرب، وأن الخليفة الثالث عثمان بن عفان -رضي الله عنه- تخلص متعمدًا من معظم الأحرف، ولكنه حافظ عن قصد على بعضها بحسب ما سمح به النص المكتوب، ومن ثم يمكن القول بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد تلا جميع هذه القراءات (إجمالًا). وسنعتمد إطلاق (نموذج التلقين) على هذا الرأي، وأن نموذج التلقين يمكن أن تُثار بشأنه عدد من القضايا والمسائل الرئيسة.
وبدأ د. ياسر قاضي بالأحاديث الواردة في مفهوم (الأحرف السبعة)، حيث تصرح العديد من الآثار بأن العلة الجوهرية للأحرف هي التيسير على الأمة في تلاوة القرآن، فإن «... منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط».
ويبرز هنا أسئلة منها: كيف يتجاوب نموذج التلقين مع هذه العلة المتعلقة بمثل تلك الفئات من الناس؟ وأنه قد ورد في هذه الآثار ما لا يمكن حمل معناه على ظاهره، بل يجب تأويله بشكل ما؛ وذلك كقول النبي: «ليس منها -يعني: الأحرف- إلا شافٍ كافٍ، إن قلت: سميعًا عليمًا، عزيزًا حكيمًا، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب». ولدينا في مصنفات التفسير والحديث المبكرة المئات من الأمثلة على الأحرف التي تشير إلى تغييرات في الكلمات منسوبة إلى الصحابة؛ فهناك حرف أُبي، وحرف ابن مسعود، وهكذا دواليك.
وأنه إذا كان النبي هو مصدر هذه الكلمات المتغايرة بالفعل، فلماذا نُسب الحرف بأكمله إلى أحد الصحابة فقط؟ ولماذا لم يتعلم أفراد الصحابة أكثر من حرف، أو يقرأ كل فرد منهم بأكثر من حرف كما كان -في زعم هؤلاء- يفعله النبي؟
وفي أشهر الآثار الواردة في الأحرف، حينما سمع عمر بن الخطاب هشام بن حكيم يتلو سورة الفرقان بصيغ مختلفة... القصة فيها أسئلة متعددة. ولماذا يُعلَّم شخصان من نفس القبيلة لهجات مختلفة إذا كانت الأحرف تتعلق أساسًا باللهجات؟ ولماذا يُمنح هشام، وهو في هذه المرحلة معتنق جديد للإسلام، امتيازًا يتمثل في درس خاص عن حرف فريد لا يعلم عنه حتى عمر؟
وبناء على هذه الحادثة نفسها، وعلى دهشة عمر عندما علم بوجود الأحرف، كيف يمكن تفسير عدم إدراك العديد من الصحابة الكبار لوجود الأحرف أصلًا خلال فترة الوحي، بالرغم من أن نموذج التلقين يؤكد أن النبي كان يتلو باستمرار صيغًا مختلفة؟ فلماذا هذه الدهشة من صيغة مختلفة؟
رخصة إلهية
وطرحت الدراسة النموذج البديل -نموذج الرخصة الإلهية- والذي يدعي أن (الأحرف السبعة) هي تسهيل إلهي سمح للصحابة بتلاوة القرآن وفقًا للهجاتهم، وتبعًا لغاية ما يسعهم تذكره، بشرط ألا يخل بالمعنى.
في هذا النموذج تلا النبي القرآن بطريقة واحدة (حرف واحد)، لكن تم الترخيص للصحابة بتلاوته بـ(عدة ألفاظ) و(صيغ مختلفة)، ما دام المعنى محفوظًا.
مشيرًا إلى أنه هناك روايات عدة يمكن استخدامها لإثبات هذا الزعم. نجد مثلًا في واقعة مشهورة أن ابن مسعود كان يعلم شخصًا قراءة: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: 43-44]، لكن الرجل لم يتمكن من قولها، وظل يكرر: «طعام اليتيم». فقال ابن مسعود: «أتستطيع أن تقول: طعام الفاجر؟»، فأجاب الرجل أنه يستطيع، فقال ابن مسعود: «فافعل».
ثم أخبره: «إن الخطأ في القرآن ليس أن تقول: الغفور الرحيم، العزيز الحكيم، إنما الخطأ أن تقرأ آية الرحمة آية العذاب، وآية العذاب آية الرحمة، وأن يزاد في كتاب الله ما ليس فيه».
وقدَّم ابن شهاب الزهري (توفي 127هـ) تفسيرًا مشابهًا للأحرف، فقال: «بلغني أن تلك الأحرف السبعة إنما هي الأمر الذي يكون واحدًا، لا يختلف في حلال ولا حرام».
وقد يكون من أبرز الروايات في هذا الصدد ما ورد عن الإمام الشافعي (توفي 204هـ) في كتابه «الرسالة»: «فإذا كان الله، لرأفته بخلقه، أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفةً منه بأن الحفظ قد يزل، ليحل لهم قراءته وإن اختلف اللفظ فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى؛ كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه».
وكتب أبو جعفر الطحاوي (توفي 321هـ) في شرحه لمشكل الآثار: «وكان يشق عليهم حفظ ما يقرؤه عليهم بحروفه التي يقرؤه بها، ولا يتهيأ لهم كتاب ذلك، فوسع عليهم في ذلك أن يتلوه بمعانيه، وإن خالفت ألفاظهم التي يتلونه بها ألفاظ نبيهم -صلى الله عليه وسلم- التي قرأه بها عليهم، فوسع لهم في ذلك بما ذكرنا».
اعتراضات وردود
ويورد د. قاضي خمسة اعتراضات وردود تم تقديمها ضد نموذج الرخصة الإلهية، إلى جانب الردود المحتملة عليها. وقائمة الاعتراضات هذه ليست شاملة بالطبع، لكنها عينة للاعتراضات الرئيسة، وإجابات النموذج البديل على الأسئلة الخمسة عشر. بعد إبراز الرأي البديل والرد على مختلف الاعتراضات الواردة عليه، دعونا نعود إلى الأسئلة الخمسة عشر التي طرحناها أولًا على نموذج التلقين، ونرى ما إذا كانت الإجابات عليها بناءً على هذا النموذج أكثر معقولية وقبولًا، دون الحاجة إلى تكلف.
وتشير الدراسة إلى أن الفكرة الرئيسة للأحرف تتمثل في هذا النموذج بوضوح في أن القراءة بالمعنى تتيح للأشخاص الكبار في السن، وغير القادرين على القراءة، وغير المتعلمين، القراءة بما يتذكرونه، مع تجاهل أي أخطاء غير مقصودة.
وبالطبع فإن الشرط الضروري هو أنه يجب أن يتم نقل الدلالة المناسبة؛ لذا فإن قول: ﴿اللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ بدلًا من: ﴿اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ سيكون مثالًا على ذلك إذا سمح سياق الآية بذلك. وهذا يبين أيضًا أن بعض الصحابة اختاروا ألفاظًا معينة كمرادفات، لا سيما الذين كانوا ينتمون إلى القبائل غير القرشية، مثل أُبيّ بن كعب الخزرجي أو ابن مسعود الهذلي، وتمت نسبة هذه الاختيارات اللفظية (أي: حرفهم الفريد) إليهم. ولذا كانوا هم وأصحابهم فقط معروفين بأنهم يتلون بهذه الاختيارات، ولم يكن لدى الصحابة الكبار الآخرين أي سبب لتلاوة الاختيارات اللفظية الخاصة بالصحابة الآخرين.
وفي بعض الأحيان، كما في حالة عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم، قد تكون تغييرات اللفظ ناتجة عن النسيان، خاصة أن هشامًا كان معتنقًا جديدًا للإسلام.
فإن دهشة عمر عندما علم بوجود الأحرف تُظهر أنه، بما أنها كانت ترخيصًا، فإن النبي لم يشجع المسلمين على ممارستها بشكل نشط، حيث كانت العزيمة هي الالتزام بالأصل.
ولأنه في ذلك الوقت كانت المزيد من القبائل والخلفيات المختلفة قد اعتنقت الإسلام، وزاد عدد المؤمنين بشكل كبير، فجاءت الرخصة الإلهية بالأحرف تلبيةً لحاجة الأمة، ولم تكن هناك حاجة لها في مكة المكرمة في وقت مبكر.
وبما أن هذا الترخيص قد مُنح للعامة من المؤمنين، لم تكن هناك حاجة لإعادة الوحي بجميع الآيات التي نزلت قبل هذا الترخيص.
وهذا يفسر أيضًا لماذا لم يتلُ النبي -صلى الله عليه وسلم- الآية نفسها بطرق مختلفة خلال العقدين الأولين.
ومع انخفاض الأمية وتوسع الدولة الإسلامية، أصبحت الأحرف المختلفة التي كان يتلوها الصحابة إقليمية، اعتمادًا على أماكن إقامة الصحابة أو طلابهم الكبار.
وعادةً ما كان المسلمون الجدد يجهلون رخصة الأحرف، حيث لم يُنشر هذا التصريح بشكل نشط حتى أدت القراءات المتغيرة إلى الإرباك والجدل. وبما أنه لم تعد هناك حاجة لهذا التصريح، اتفق عثمان والصحابة على الحفاظ على الكلمات الأصلية للوحي، التي كانت تتميز أيضًا بكونها بلهجة قريش، واتفقوا على تجاهل جميع الاختلافات التي كان مرخصًا بها وليس لها قدسية المصدر.
ولم تكن هناك حاجة لتسويغ استبعاد الأحرف الأخرى، حيث كان الهدف الصريح وشروط اللجنة هو الحفاظ بدقة على الكلمات التي تلاها النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه. وتشير الدراسة، ببساطة، إلى التساؤل: لماذا يجب الحفاظ على اختيارات (أو حرف) أُبيّ أو ابن مسعود، التي كانت صالحة ومسموحًا بها في أوقاتهم، بينما أصبحت لديهم الآن القدرة على ترميز وكتابة كلمات النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه؟
لقد نجح مشروع عثمان في الحفاظ على الحرف الأصلي الذي تم به الوحي القرآني، وإن بقيت بعض الاختلافات اليسيرة التي لا تؤثر في هذا الحفظ.
فاللغة العربية، كما هو الحال مع أي لغة، تحظى بتنوع واسع في النطق والظواهر اللغوية بين مختلف القبائل والمناطق، وليس من الممكن بشريًا، ولا هو مطلوب دينيًا، توحيد نطق كل الحروف وعلامات الضم والكسر والفتح.
إن قواعد التجويد والفروق بين القواعد الخاصة بالغنة والإمالة والإدغام وغيرها من القضايا الخاصة هي أمثلة على هذه الظاهرة.
وأيضًا، فإن الخط الذي كان متاحًا في ذلك الوقت يسمح بقراءات متعددة لهيكل كلمة معينة.
وقدمت هذه المقالة نموذجًا بشأن مفهوم الأحرف وعلاقته بالقراءات، خلاف النموذج الشائع حاليًا، وإن كان يحظى ببعض الدعم مؤخرًا. وهو أيضًا نموذج -أعني نظرية الرخصة الإلهية- مبني على الواقع الفعلي لتاريخ القراءات، وهو أن القراءات هي النتيجة العملية لرخصة الأحرف السبعة، ولا يستند هذا الرأي إلى قواعد عقدية صارمة لا أساس لها من الصحة.
وربما كان هو الفهم التلقائي لأكثر العلماء في البداية، وإن خفت صوته بعد ذلك منذ القرن الخامس الهجري تقريبًا.
سبعة أحرف
نموذج الرخصة الإلهية واضح ومباشر. إن معنى كون القرآن قد أُنزل على سبعة أحرف هو أنه تم منح الإذن لجيل لا يستطيع القراءة والكتابة بتلاوته بعدة صيغ، ما دام المعنى منقولًا بدقة.
ولم يُنشر هذا الامتياز بشكل نشط، حيث كان الأصل هو نقل العبارة الأصلية بأمانة قدر الإمكان. وفي غضون نصف جيل، عندما أصبحت الأمية أقل، وسلطة الحكم أمكن، أراد الخليفة عثمان إلغاء هذه الامتيازات والحفاظ على الألفاظ الأصلية التي أُنزلت على النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فالنسخة الرسمية التي أعدها عثمان قد حققت ذلك بالضبط؛ إذ تجاهلت جميع الاختلافات التي نشأت من الصحابة الآخرين، وحفظت الألفاظ التي قرأها جبريل على النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وبسبب واقع اللهجات في اللغة العربية، وقصور الخط في ذلك الوقت، والاختلافات بين المصاحف العثمانية، ظلت هناك اختلافات طفيفة وتنويعات في النطق لمدة قرنين آخرين، وكانت هذه هي حقبة ازدهار علم القراءات.
وكانت كل هذه الاختلافات الطفيفة مسموحًا بها بموجب الترخيص الإلهي بالأحرف، وانبثقت القراءات من المفهوم نفسه الذي انبثقت منه الأحرف، مع فارق وحيد، هو أن القراءات أكثر تقييدًا بكثير، بناءً على المصحف العثماني، وعلى السوابق الحاصلة في عهد الأجيال الأولى.
ويمكن القول أيضًا إن القراءات هي تدوينات لرخصة الأحرف، وذلك من خلال النص الأصلي الذي حفظه عثمان، أو أن القراءات هي أمثلة طفيفة لرخصة الأحرف المطبقة على الحرف الأصلي الذي حفظه عثمان.
ومع مشاريع توثيق ابن مجاهد، وفيما بعد ابن الجزري، انتهت فترة ازدهار علم القراءات، وحاز تعيين القراءات السبع والعشر، مع فروعها الطرق، والفروع الفرعية الأوجه، قبول الأمة. وكل هذه القراءات إلهية بالتساوي، استنادًا إلى الأحاديث المتواترة حول الأحرف التي تعلمنا أن «ليس منها إلا شافٍ كافٍ»، وكلها لها مكانة القرآن، خاصة في ضوء إجماع الأمة عليها.
وانتهت رخصة القراءة بالمعنى عمليًا، وأُلغيت بإجماع الصحابة وجميع العلماء اللاحقين، ومن خلال إغلاق باب القراءات بواسطة مشاريع توثيق ابن مجاهد وابن الجزري.
كما هو واضح، يحل هذا النموذج كل مجالات الالتباس الرئيسة بشكل معقول فيما يتعلق بمناقشة الأحرف والقراءات، مع وجود تخمينات بسيطة، لكن دون أي افتراضات خيالية.
وبينما يمكن أن تجيب وجهة النظر هذه عن العديد من الأسئلة الصعبة، أو ربما كلها، بخصوص هذا الموضوع المثير للنقاش، إلا أنها في الوقت نفسه تثير مجموعة أصغر من الأسئلة الجديدة التي يمكن أن تفتح مجالات أوسع في دراسة هذا الموضوع واستكمال البحث فيه.
أولًا: الحاجة إلى إجراء تحليل شامل لمدى انتشار هذا الرأي على مر القرون؛ للإجابة عن سؤال: كيف هُجرت الآراء السابقة تدريجيًا واستُبدلت بها آراء لاحقة لإعادة تعريف «الاعتقاد الصحيح»؟ بمعنى آخر: من الجدير بالدراسة توثيق الانتقال التاريخي من نموذج الرخصة الإلهية إلى نموذج التلقين. وسيكون لهذا التحليل فائدة كبيرة في دعم دعوى المؤيدين لهذا الرأي بأنه كان، في وقت مبكر، أمرًا رئيسًا في الإسلام.
ثانيًا: دراسة تطور القراءات والاختيارات اللغوية والنحوية التي اتخذها بعض القراء، بما في ذلك ما زاد على العشرة، وبشكل خاص القراءات الفريدة، إلى جانب قبول أو رفض مختلف القراء وخياراتهم، ستكون إضافة مرحبًا بها جدًا لهذا الموضوع. فإنه، بينما أُجريت العديد من الدراسات، إلا أن معظمها يأخذ نموذج التلقين كافتراض تلقائي، ويُبذل الكثير من الجهد في إعادة تفسير البيانات لتتناسب مع نموذجهم. ومن ثم سيكون من المهم إظهار كيف تم اتخاذ هذه الخيارات، وكيف تدعم ببساطة وبشكل مباشر نموذج الرخصة الإلهية.
ثالثًا: ما تزال هناك حاجة إلى إجراء استقراء منهجي ودقيق لكيفية توافق نموذج القراءة بالمعنى مع العقيدة المعيارية في حفظ القرآن وإعجازه.
وفي النهاية، وكما هو الحال مع جميع القضايا، فإن الله أعلم بالصواب بلا شك. وبغض النظر عن النموذج الذي يفضله الشخص، فإنه يكفي المسلم أن يعلم ويؤمن بأن القرآن، الذي هو كلام الله، قد تم حفظه بشكل تام، وحمايته بشكل كامل بقوة الله تعالى الذي أنزله، وقال فيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].



