أبو بكر الصديق رضي الله عنه، اسمه الحقيقي عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر، أول المبشرين بالجنة، وأول من آمن من الرجال، وأول الخلفاء الراشدين، وأحب الصحابة إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رفيقه فى الهجرة، وسُمِّي بالصديق لأنه بادر بتصديق الرسول.
وُلد رضي الله عنه بعد عام الفيل بسنتين وأشهر، وعاش ثلاثةً وستين عامًا، وكانت له مواقف كثيرة فى نصرة الإسلام، منها قصته ليلة الإسراء والمعراج، وثباته وجوابه للكفار فى ذلك، وهجرته مع الرسول صلى الله عليه وسلم وتركه لأهله، واشتراكه فى الغزوات بجانب النبي صلى الله عليه وسلم.
وظهرت حكمة الصديق ورباطة جأشه فى مواجهة مصاب الأمة بوفاة النبي ﷺ، كما ظهرت شخصيته القوية وحنكته السياسية فى اجتماع السقيفة، وقد عبّر عن تواضع كبير وزهد فى الخلافة حين رُشِّح لها، مزكيًا لها سالم مولى أبي حذيفة، واصفًا إياه بأنه أتقى منه، أو عمر بن الخطاب؛ لكونه أقوى منه، غير أن عمر رفض إلا أن يبايع أبا بكر، وإذا بالقوم يبايعون أبا بكر خليفةً لرسول الله ﷺ.
اقرأ أيضًا: الصحابة استخدموا وسائل للعدّ كالحصى والنوى والخيوط المعقودة
ويقول ابن الجوزي فى كتابه «صفة الصفوة»: عن إبراهيم التيمي قال: لما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى عمر أبا عبيدة بن الجراح فقال: ابسط يدك فلأبايعك، فإنك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله، فقال أبو عبيدة بن الجراح لعمر: ما رأيت لك فَهَةً (ضعف رأى) قبلها منذ أسلمت، أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين؟!
ويضيف ابن الجوزي، عن الحسن قال: قال علي رضي الله عنه: لما قُبض رسول الله ﷺ نظرنا فى أمرنا، فوجدنا النبي ﷺ قدَّم أبا بكر فى الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله لديننا، فقدمنا أبا بكر.
كما أنه رضي الله عنه أعطى الإنسانية درسًا فى الإيثار وإنكار الذات وطلب العون والزهد والترفع، فبعد أن ولي أمر المسلمين بالخلافة بعد رسول الله ﷺ خطب فى الناس قائلًا: «أما بعد، أيها الناس، فقد وُلِّيت أمركم ولست بخيركم، ولكن قد نزل القرآن الكريم، وسنَّ النبي السنن فعلمنا، اعلموا أن أكيس الكيس التقوى، وأن أحمق الحمق الفجور، وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق، أيها الناس إنما أنا متبع ولست مبتدعًا، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني».
كما كان الصديق مدرسة فى التواضع الجم والأخلاق الرفيعة، يقول علماء السير: كان أبو بكر يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا، فسمعها رضي الله عنه فقال: بلى، لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت فيه، فكان يحلب لهم.
وما إن مرض أبو بكر حتى عاده الناس فقالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: قد رآني. قالوا: فأي شيء قال لك؟ قال: إني فعّال لما أريد، وتوفى رضي الله عنه يوم الجمعة فى شهر جمادى الآخرة عام ١٣ هجريًا.



