في رحيلِ الدكتور خالد فهمي: أيُّ علمٍ رُفِع؟!

د. شعبان عبد الجيِّد
د. شعبان عبد الجيِّد

بقلم: د. شعبان عبد الجيِّد

• أوَكلَّما سَمَحَ الزمانُ وبُشِّرَتْ
مصرٌ بفردٍ في الرجالِ منارِ
فُجِعَتْ بِهِ، فكأنَّه وكأنَّها
نجمُ الهدايةِ لم يَدُمْ للسَّارِي؟!
• لم يَمُتْ رجلٌ.. بل رُفِعَ مُصحف!

منذ بضعة أيام، فُجِعت الأوساط العلمية والثقافية بالرحيل المفاجئ للأستاذ الدكتور خالد فهمي (1970–2026)، أستاذ الدراسات اللغوية في كلية الآداب جامعة المنوفية، وأحد أنبغ العقول العربية في زمننا؛ حيث غيَّبه الموت الخاطف دون سابق إنذار، وكان على كل من يعرفونه أن ينتظروا بعض الوقت حتى يصدقوا خبر وفاته ويستوعبوا ما حدث.

اقرأ أيضا| بديعُ المختار من ربيعِ الأبرار!

وقد عرفته عن قربٍ منذ أكثر من خمس وثلاثين سنة، ائتَنستُ فيها بدفء صحبته الراقية، وتابعتُ فيها جهادَه العلميَّ النبيل، وأفدتُ كثيرًا من أستاذيته ومنهجيته وسعة رؤيته وعمق نظرته.

كنت أرى فيه الوريث الشرعي لأولئك الأعلام الأفذاذ من أساتذة الجامعة الرواد؛ رسوخًا أصيلًا في العلم، وتمكنًا فذًّا من أدوات البحث، وامتلاكًا مدهشًا لناصية البيان، وقبل ذلك وبعده إخلاصًا صادقًا للغته ودينه وتراثه، وانشغالًا لافتًا بمشكلات المجتمع وقضايا الأمة ومصير الإنسان.

ولم يكن رحيلُ الدكتور خالد فهمي مجرد غيابِ أستاذٍ جامعيٍّ عن قاعة الدرس، ولا انطفاءَ اسمٍ من أسماء الباحثين في سجلات الجامعات والمجامع اللغوية؛ بل كان انطفاءَ سراجٍ ظلَّ سنواتٍ طويلةً يحرسُ العربيةَ من الوهن، ويذودُ عن تراثها من العبث، ويعيدُ وصلَ اللغةِ بالحياة، والمعجمِ بالهوية، والتراثِ بأسئلة العصر.

رحل الرجلُ الذي عاش للعربية أكثرَ مما عاش لنفسه، حتى بدا كأنَّه واحدٌ من حرّاس الضاد الذين نذروا أعمارهم كي تبقى اللغةُ حيّةً في زمنٍ تتكاثر فيه الضوضاءُ وتقلُّ فيه الأصواتُ العميقة.

وقد خيَّم الحزنُ على الأوساط الأكاديمية والثقافية في مصر والعالم العربي عقب وفاته، بصورة لم تكد تحدث مع أحدٍ من قبله؛ وذلك لما كان يمثِّلُه من قيمةٍ علميةٍ وإنسانيةٍ رفيعة، ولما خلَّفه من أثرٍ واضحٍ في الدراسات اللغوية والمعجمية المعاصرة.

كان الدكتور خالد فهمي صاحبَ مشروعٍ فكريٍّ يتجاوز حدودَ الدرس اللغوي التقليدي؛ إذ لم يكن ينظر إلى اللغة على أنها ألفاظٌ وقواعدُ جامدة، بل كان يراها وعاءَ حضارة، وذاكرةَ أمّة، وصورةً للوعي الجمعي.

ومن هنا جاء منهجُه قائمًا على الجمع بين أصالة التراث ووعي اللسانيات الحديثة، فاستطاع أن يُقيم جسرًا بين القديم والجديد، وأن يُخرج البحث اللغوي من عزلته الأكاديمية إلى فضاء الفكر والثقافة والهوية.

وقد وُصف بأنه مثالٌ نادر لعالمٍ التقت في تكوينه اللسانياتُ الحديثة بالتراث العربي، والتحقيق العلمي، والرؤية الحضارية.
ولعلَّ أبرز ما ميَّز منهجَه العلمي أنَّه لم يكن مؤمنًا بالتقديس الأعمى للتراث، ولا بالقطيعة معه؛ بل كان يدعو إلى قراءة التراث قراءةً واعيةً تُحييه بدل أن تُحنِّطه، وتُدخله في دورة الحياة المعاصرة بدل أن يبقى حبيس المخطوطات والرفوف.

لذلك اهتمَّ اهتمامًا بالغًا بعلم المعاجم، وعدَّه مرآةً لروح الأمة وثقافتها، لا مجردَ كتابٍ لشرح المفردات. وقد تجلّى هذا المنهج في رسالته العلمية عن المعاجم الفقهية العربية، وفي كتبه التي تناولت المعجم واللسانيات والتحقيق الثقافي.

وكان يرى أنَّ أزمةَ العربية ليست في اللغة نفسها، وإنما في طريقة تعامل أهلها معها؛ فكم من لغةٍ قليلةِ المفردات استطاعت أن تصنع حضارةً حديثة، وكم من أمّةٍ عظيمة التراث أضاعت لغتَها حين فقدت الثقةَ بذاتها. ولهذا ظلَّ الدكتور خالد فهمي يدعو إلى استعادة الوعي باللغة، وربطها بالهوية والانتماء الحضاري، رافضًا أن تتحول العربية إلى مادةٍ مدرسية جافة، أو خطابٍ متحفيٍّ منفصلٍ عن الناس والحياة.

وقد ترك للمكتبة العربية عشرات المؤلفات والدراسات التي كشفت عن اتساع أفقه وعمق رؤيته، من أشهرها: ثقافة الاستهانة، وزمان المعجم، وسطوة اللسانيات، وأنشودة المتن والهامش؛ وهي كتبٌ لم تكتفِ بالبحث اللغوي المحض، بل فتحت أسئلة الثقافة والوعي والهوية، وربطت اللغة بمصير الإنسان العربي في زمن التحولات الكبرى.

كما أسهم في إحياء التراث اللغوي وتحقيق النصوص، وعمل خبيرًا بـمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ورأس دار الكتب المصرية، وترك أكثر من ستين كتابًا وبحثًا علميًّا في اللغة والدراسات العربية.

غير أنَّ القيمة الحقيقية للرجل لم تكن في كثرة مؤلفاته وحدها، بل في روحه العلمية الهادئة، وفي تواضعه الإنساني النادر، وفي قدرته على الإصغاء إلى تلاميذه ومحاوريه دون تعالٍ أو استعلاء. كان عالمًا زاهدًا في الضجيج، مؤمنًا بأن المعرفة الحقيقية لا تحتاج إلى صخب، وأن اللغة التي لا تُهذِّب أخلاق أصحابها تفقد شيئًا من رسالتها الكبرى.

رحل الدكتور خالد فهمي، لكنَّه ترك خلفه أثرًا يصعب أن يزول؛ فقد علَّم أجيالًا كاملةً أن العربية ليست بقايا ماضٍ، بل إمكانيةُ مستقبل، وأن المعجم ليس سردابًا للكلمات الميتة، بل بيتٌ لذاكرة الأمة، وأن الدفاع عن اللغة ليس تعصبًا أجوف، بل دفاعٌ عن الروح والهوية والمعنى.

رحل، وبقيت كتبه تشهد أنَّ بعض العلماء لا يموتون تمامًا؛ لأنهم يتركون في العقول نورًا، وفي اللغة نبضًا، وفي الوجدان أثرًا يشبه الدعاء الطويل.

 

ترشيحاتنا