بقلم: حاتم سلامة
العمامة الأزهرية ليست مجرد زيٍّ تقليدي؛ فهي رمزٌ حيٌّ لتاريخٍ عريق من العلم والوقار، وشعارٌ يختزل في وعي الأمة قيم الإسلام الوسطي ورسالة الأزهر الشريف. لقرونٍ مضت، كان لرؤية رجل العمامة في الطريق جلالٌ يفرض الحشمة، ويبعث على الطمأنينة، ويُشعر الناس بأنهم في حضرة العلم والتقوى.
اقرأ أيضا| تهامي منتصر - وريادة الإعلام الديني
لكننا، في الآونة الأخيرة، صرنا نشهد واقعًا يدعو للأسف والألم؛ حيث بات البعض يرتدي هذه العمامة الشريفة، ثم يأتي بأفعالٍ وتصرفات لا تليق بوقار العلم ولا بجلال الدين، سواء كان ذلك عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال الانزلاق إلى مهاترات وصراعات صبيانية، أو عبر سلوكيات علنية تفتقر إلى الكياسة والسمت الأزهري الرفيع.
هذا التناقض الصارخ بين قدسية الرمز وابتذال الممارسات نتجت عنه هزة عنيفة في ثقة الجماهير برمزية العمامة، وتجرأ بسببه البعض على مقام العلماء، فصار العامي لا يفرق بين عالمٍ ربانيٍّ يحمل همّ الدين، وبين مدّعٍ يختبئ خلف المظهر ليحقق مآرب شخصية أو شهرة زائفة.
إن هذا الواقع يفرض علينا وقفة صريحة؛ فليس كل من تخرج في الأزهر الشريف مؤهلًا لحمل هذا الإرث البصري والمعنوي الثقيل. فالأزهر جامعة عريقة تُخرّج الطبيب، والمهندس، والمحاسب، واللغوي، كما تُخرّج الفقيه والمفتي، وبالتالي لا ينبغي أن يُنظر إلى العمامة على أنها حقٌّ مشاعٌ مستباح لكل من انتسب إلى هذه المؤسسة بمجرد نيله شهادة التخرج، بل يجب أن يُنظر إليها كتكليف يفرض على صاحبه قيودًا صارمة في السلوك، والقول، والعمل.
وأرى أنه، لإعادة الهيبة والتوقير للعمامة الأزهرية في أعين الناس، بات من الضروري تشريع ضوابط حازمة لارتدائها، بحيث لا يُسمح لأي أزهري بمظهر العالِم إلا بعد المرور باختبارات سلوكية ونفسية تقيس مدى اتزان الشخصية، وقدرتها على ضبط النفس، والتمسك بالسمت والوقار في الأماكن العامة والافتراضية، ووضع ميثاق شرف أزهري يتعهد فيه حامل العمامة بالابتعاد عن مواطن الشبهات، وعدم استخدام الزي في التكسب التجاري المبتذل أو إثارة الفتن، واعتبارها إجازة علمية وأخلاقية تُمنح من هيئة كبار العلماء أو مجمع البحوث الإسلامية، وتكون بمثابة رخصة صالحة تُسحب فورًا إذا ثبت ارتكاب حاملها لأي فعل يخدش حياء الوظيفة الدينية.
إن العمامة تاجٌ على رأس الإسلام، وإذا سقط وقار التاج في أعين الناس، سقطت معه هيبة المنهج في نفوسهم. إن حماية العمامة الأزهرية حماية لرمزية الإسلام ومكانة العلم في المجتمع، والخطوة الأولى لاستعادة هذه الهيبة تبدأ من تنقية الصفوف، وإدراك أن هذا الزي أمانة ثقيلة، مَن عجز عن صونها سلوكًا وأدبًا، فعليه أن يخلعها ليعيش حياته كباقي البشر، ويترك الرمز ناصعًا بياضه، محفوفًا بالمهابة والإجلال كما كان دومًا.
بل إنَّ صيانة هذا الرمز لا تقع على عاتق المؤسسة الأزهرية وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية تشاركية؛ فعلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أن تتوقف عن تصدير أنصاف المتعلمين وحاملي العمائم المزيفة كمتحدثين باسم الدين، لمجرد إثارة “الترند” أو جذب المشاهدات؛ لأن هذا الاستسهال يُمثّل طعنةً في خاصرة الوعي الجمعي للأمة.
إن استعادة قدسية العمامة تبدأ عندما يدرك المجتمع أن احترام العالِم ليس تقديسًا لذاته، بل توقيرٌ للعلم الذي يحمله، وأن الضوابط الصارمة لارتدائها ستحمي العوام من الخديعة، وتفرز العلماء الحقيقيين الذين يستحقون بحق أن يكونوا ورثة الأنبياء سيرةً وسلوكًا.



