البيان في تجليات القرآن,,

 د. أحمد درويش
د. أحمد درويش

بقلم: د. أحمد درويش
ما الفرق بين: (إِنَّا رَسُولُ) بالإفراد، و(إِنَّا رَسُولَا) بالتثنية في قصة موسى وهارون؟
وتظل لغة القرآن ملأى بالخمائر والأسرار، فتلك لغة تحمل همَّ توصيل القرآن، وتحمل رسائله التي يريد بثها.

اقرأ أيضا| استراحة لغوية  من حكايات مولانا الشعراوي في تفسير القرآن.. تسمية جديدة لنوعي الجناس
ومما يجذب الانتباه الإفراد والجمع: (رسول) و(رسولا) في قصة كليم الله موسى عليه السلام وأخيه هارون عليه السلام.
سألني حبيب مهتم بلغة القرآن: ما الفرق بين قوله تعالى:
﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾،
بإفراد (رسول)، وبين قوله تعالى:
﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾،
بتثنية (رسولا)؟
قلت: الإفراد هنا وشى باتحاد المنهج، واتحاد الفكرة، واتحاد الدعوة، وكأن الاثنين يقولان: نحن فرد واحد لا فردان.
وقد وجدت هذا المعنى عند الزمخشري عندما قال:
“ويجوز أن يوحَّد — أي يقول (رسول) بدلًا من (رسولا) — لاتفاقهما على شريعة واحدة... فكأنهما رسول واحد”.
لكن يظل السؤال: كيف نُخرّج التثنية (رسولا) في قوله تعالى:
﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾؟
قلت: لذلك أسباب ذكرها المفسرون واللغويون، منها:

أولًا:
حتى يكون لـهارون عليه السلام صفة، فقد يقابله فرعون بقوله: وما صفتك يا هارون؟ فيأتي الجواب: (إنا رسولا)، فكما أن أخي موسى عليه السلام رسول، فأنا مثله رسول.

ثانيًا:
قد يكون هارون عليه السلام هنا هو المتحدث؛ لأن موسى عليه السلام طلبه ردءًا ومعينًا، قائلًا:
﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾،
فقال هارون لفرعون: (إنا رسولا).

ثالثًا:
جاءت التثنية لبعث الطمأنينة والثقة في قلبيهما، واقتلاع جذور الخوف من نفسيهما، فكان الأجدى أن تُذكر لفظة (رسولا) بالتثنية بدلًا من الإفراد؛ لأن السياق كله سياق تثنية لا إفراد. قال الله تعالى:

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ۝ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ۝ فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾.
فعبر القرآن عن كلٍّ بما يناسبه.

 

ترشيحاتنا