بقلم: أحمد الجمال
إن الله عز وجل، لحكمته البالغة، عندما أراد خلق سيدنا محمد ﷺ الذي جعل نوره أول الخلق طهراً، وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين نظر إلى خلقه فقسمهم فرقتين، فجعل نبينا في خيرهما فرقة، ثم ما زال سبحانه يختار له الأفضل فالأفضل، ليتصل نسبه الشريف من آدم عليه السلام إلى مولده، نسباً كريماً، طاهراً، نقياً. تنقل ﷺ في أصلاب الرجال الطاهرة وأرحام النساء العفيفات، فلم يصبه شيء من سفاح الجاهلية وجهلها، بل خرج من نكاح شرعي صحيح من لدن آدم إلى أن شرف هذا الوجود بمقدمه ﷺ.
من هو "عبد المطلب"؟ وسر اللقب تبدأ رحلتنا مع جد النبي ﷺ الأول، المعروف في التاريخ باسم "عبد المطلب"، وهو في الحقيقة لقبٌ وليس اسماً؛ إذ إن اسمه الحقيقي هو "شيبة الحمد" فما قصة هذا اللقب؟
كان والده "هاشم" سيد قريش وزعيم رحلتي الشتاء والصيف؛ حيث كانت قريش ترحل صيفاً إلى الشام وشتاءً إلى اليمن، وكان من عادة أشراف مكة اصطحاب زوجاتهم معهم. وفي إحدى رحلات الصيف نحو الشام، كانت زوجة هاشم معه وقد حملت بـ "شيبة الحمد"، ولما وصلت إلى "يثرب" ، جاءها المخاض وولدت هناك.
ترك هاشم زوجته وابنه الرضيع عند أخواله ليتابع تجارته، وفي طريق عودته وافته المنية في مدينة غزة ودفن فيها، فصارت تُعرف حتى يومنا هذا بـ غزة هاشم وهكذا نشأ الغلام يتيماً في يثرب يُدعى بين أخواله "شيبة الحمد".
رحلة العودة إلى مكة
عندما كبر الغلام، سافر عمه "المطلب" إلى يثرب ليأخذ ابن أخيه إلى مكة، مؤكداً لأمه أن الغلام يجب أن ينشأ بين قومه وعشيرته أهل الشرف والسيادة. وخُيِّر الغلام فاختار الالتحاق بقومه؛ إذ كانت قيم الشرف والأنفة عظيمة في نفسه رغم صغر سنه.
ودخل المطلب مكة مردفاً ابن أخيه وراءه على دابته. فلما رآه أهل مكة وكان غلاماً رث الثياب من سفر طويل ظنوا أن المطلب قد اشترى عبداً جديداً، فصاروا يشيرون إليه قائلين: "هذا عبدُ المطلب" ورغم أن عمه صرخ فيهم قائلاً: ويحكم! إنما هو شيبة ابن أخي هاشم، إلا أن الاسم التصق به وعُرف به بين العرب طوال حياته.
رؤيا عبد المطلب وحفر بئر زمزم
كبر عبد المطلب وأصبح سيد قريش المطاع وصاحب الشرف الرفيع، وكان أعظم إنجازاته التي خلدت اسمه هو إعادة حفر بئر زمزم .
كانت بئر زمزم قد طُمِرت بالتراب وضاعت معالمها منذ أزمان بعيدة بفعل تقادم السنين، ولم يكن أهل مكة يعرفون لها مكاناً سوى ما يتناقلونه في قصصهم عن البئر المباركة التي نبعت تحت قدمي إسماعيل عليه السلام. حتى رأى عبد المطلب في منامه رؤيا تكررت معه مراراً، يأمره فيها هاتف بحفر زمزم، وحدد له مكانها بدقة عند الكعبة.
قص عبد المطلب الرؤيا على قريش وأشار إلى مكان الحفر، لكنهم رفضوا بشدة؛ لأن المكان كان يقع بين صنمين من أصنامهم الشهيرة وهما أساف ونائلة، في ذلك الوقت، كان عبد المطلب يملك ولداً واحداً فقط (الحارث)، ولم تكن له عزوة أو عصبية قوية تمنع قريشاً من التعرض له. أحس بقلة الحيلة واعتصر قلبه ألماً، فوقف عند باب الكعبة ونذر لله نذراً: **(لئن وهبني الله عشرة من الأولاد الذكور، وبلغوا مبلغ الرجال، واستطعت حفر البئر، لأذبحن أحدهم تقرباً وشكراً لله عند الكعبة).
الوفاء بالنذر
مرت السنوات، واستجاب الله لدعائه، فكانت زوجته تلد له الولد تلو الآخر حتى صار لديه **عشرة من الأبناء الذكور** الأقوياء. أصبح عبد المطلب محاطاً بعزوة وعصبية تهابها قريش، فتوجه إلى مكان البئر وحفره ولم يجرؤ أحد على منعه، حتى انبعث الماء الطاهر من جديد، ففرحت قريش واحتفلت بهذا الفضل العظيم.
ولكن، مع هذا الإنجاز الكبير، وجد عبد المطلب نفسه الآن أمام الاختبار الأصعب: لقد حان وقت الوفاء بنذره الثقيل.. وهو ذبح أحد أبنائه العشرة عند الكعبة !



