كتبت سوزان العباسي:
أكد د.مصطفى شلبي الأزهري أحد علماء الأزهر الشريف، أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبح ساحة مؤثرة في صياغة العقول وتشكيل الوعي، مشددًا على أهمية دور الداعية المعاصر في اقتحام هذا الواقع بخطاب علمي رصين وجاذب.
وأوضح أن مواجهة الأفكار الشاذة والمغلوطة تستلزم تقديم بدائل رقمية قوية ومؤثرة، ومخاطبة الشباب بلغة مبسطة تتناسب مع واقعهم، إلى جانب تعزيز منهج التفكير النقدي القائم على وسطية الإسلام، وتحويل المنصات الإلكترونية إلى أدوات لنشر قيم الحق والاعتدال ومواجهة دعاة الفتن.
وشدد د.مصطفى شلبي على أن التجديد الحقيقي لا يعني هدم الثوابت أو تغيير النصوص، وإنما يتمثل في تنقية الفهم البشري وإعادة قراءة الواقع في ضوء النصوص الشرعية.
وأضاف أن التجديد يقوم على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، موضحًا أن العقائد والعبادات والأخلاق تمثل ثوابت لا تقبل التغيير، بينما تظل مجالات المعاملات والشؤون الحياتية مجالًا للاجتهاد بما يحقق مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، دون إفراط أو تفريط.
وأكد شلبي أن المنهج الأزهري في التعامل مع «فقه الواقع» يعتمد على أربعة أركان رئيسية، تتمثل في: النص المنضبط، والعقل المستنير، والفهم العميق للواقع، وتنزيل الأحكام بما يراعي مصالح الناس.
اقرأ أيضًا| حياة الإنسان أقدس من المال
وأوضح أن الفتوى في المنهج الأزهري لا تُفهم بمعزل عن سياقها الاجتماعي والإنساني، مشيرًا إلى أن «الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص»، وهو ما يعكس مرونة الشريعة الإسلامية وقدرتها على مواكبة المستجدات.
وحذر من خطورة تصدي غير المتخصصين لإصدار الفتاوى عبر الإنترنت، مؤكدًا أنهم يفتقرون إلى الأدوات العلمية اللازمة، ويصدرون أحكامًا مجتزأة قد تؤدي إلى إثارة الفتن وشق الصف، مشددًا على أن البيان الديني أمانة ثقيلة لا يجوز لغير المؤهلين الخوض فيها.
كما أكد شلبي أن المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر الشريف، لا تقف موقف المتفرج تجاه القضايا المستحدثة، بل تعمل على دراسة هذه التطورات بالاستعانة بالمتخصصين من خبراء الاقتصاد والتكنولوجيا لفهمها بشكل دقيق، انطلاقًا من قاعدة «الحكم على الشيء فرع عن تصوره».
وأضاف أن دور المؤسسات الدينية يتمثل في وضع هذه التطورات في إطار شرعي وأخلاقي يضمن حماية حقوق العباد ومنع الغرر والاستغلال، مع تحقيق التيسير وفتح أبواب المنافع، بما يؤكد أن الشريعة الإسلامية ترحب بالتقدم البشري ما دام يخدم الإنسان ويحافظ على القيم.
وفي سياق آخر، أكد د.مصطفى شلبي، أن مواجهة ظاهرة التفكك الأسري وارتفاع نسب الطلاق تتطلب وعيًا حقيقيًا بمكانة الأسرة في الإسلام، مشددًا على أن بناء الأسرة المستقرة يبدأ قبل عقد القران من خلال الاختيار القائم على الدين والخلق والتقارب الفكري، وأن الزواج «ميثاق غليظ» وليس تجربة مؤقتة.
وأوضح أن البيوت الناجحة لا تُبنى على العناد والندية، وإنما تقوم على المودة والرحمة والتغافل عن الأخطاء والهفوات، موجهًا نصيحته للشباب والفتيات بضرورة تعلم ثقافة الحوار والتفاهم، والحفاظ على خصوصية الحياة الأسرية، والاستعانة بالصبر عند وقوع الخلافات.
وفي حديثه عن تراجع القيم الأخلاقية، شدد على أن إحياء الأخلاق يبدأ من «القدوة الحية» داخل الأسرة والمدرسة، موضحًا أن الطفل يكتسب السلوك من خلال ما يراه في محيطه أكثر مما يسمعه من نصائح وتوجيهات.
وأضاف أن ربط الأخلاق بالجانب الروحي والعبادات من أهم وسائل التربية الصحيحة، حتى يدرك الأبناء أن الصدق والأمانة وبر الوالدين وحفظ حقوق الجار تمثل جوهر التدين الحقيقي.
واختتم د.مصطفى حديثه بتوجيه نصيحة جامعة، دعا فيها إلى التمسك بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتحري الحلال في العمل والقوت، والالتفاف حول المنهج الوسطي المعتدل، داعيًا الله أن يحفظ البيوت والأوطان وشباب الأمة من كل سوء.



