«اللواء الإسلامى» فى مسقط رأسه.. عبدالحليم محمود .. إمام المتصوفين

جانب من لقاء محافظ الشرقية ووزير الأوقاف
جانب من لقاء محافظ الشرقية ووزير الأوقاف

الفلسفة هى قمة إعمال العقل، والتصوف قمة إعمال القلب، والفقه هو الفهم عن الله واستنباط الأحكام من النصوص الشريفة(قرآنا وسنة) والإمام عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق-رحمه الله- واحد من هؤلاء الذين جمعوا بين الفقه والفلسفة والتصوف وعلوم التزكية ومحاسبة النفس، وسخَّر كل هذا لخدمة دينه ونصرة أمته.. ويعد الإمام الأكبر د. عبدالحليم محمود من كبار شيوخ الأزهر الشريف الذين تبوأوا هذا المنصب الرفيع، فقد كان يمتلك أدواته، فهو أستاذ الفلسفة الإسلامية والمفتى صاحب المئات من الفتاوى التى ناقشت كل قضايا العصر، ومؤرخ التصوف الذى كتب العشرات من المؤلفات الثرية حول التصوف ورجالاته حتى كتب أكثر من (60) مؤلفًا، فهو شخصية «بانورامية» تعددت اتجاهاته، إضافة إلى كونه شيخ الأزهر الشريف الذى تقلَّد هذا المنصب في ظروف بالغة الحرج، لتبدأ رحلة الإمام في الإصلاح.. «اللواء الإسلامى» احتفت بفضيلة الإمام الراحل د. عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق، المعروف بـ  «أبي التصوف فى العصر الحديث» وهو رقم 46 فى الترتيب بين مشايخ الأزهر، في مسقط رأسه بقرية «السلام» في ضواحى مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية وسط أسرته وأحفاده ومحبيه، ودار الحديث معهم حول رحلة الإمام الراحل من القرية إلى العالمية حتى الرحيل. 

اقرأ أيضا| شيخ الأزهر: نثمن جهود القيادة السعودية في دعم قضايا الأمتين العربية والإسلامية
 

في البداية يقول حفيده حسين محمد عبدالحليم محمود، وهو أيضًا حفيد د  محمد حسين هيكل، جده لأمه د. فايزة هيكل أستاذ علم المصريات حاليا: ولد جدى الإمام عبدالحليم محمود في عزبة» أبو أحمد» بقرية السلام في مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية في 2 جمادى الأولى 1328هـ - 12 من مايو 1910م، وينتهى نسبه إلى سيدنا الإمام الحسين بن على بن أبي طالب رضي الله عنه، ونشأ في أسرة مشهورة بالصلاح والتقوى وتمسكها بشعائر الإسلام، وكان والده الشيخ محمود على من الشغوفين بالثقافة الدينية في حلقات الأزهر العلمية، وكان يتمنى أن يستكمل دراسته بها لكن وفاة والده الشيخ على اضطرته للعودة لقريته لرعاية أسرته، فترك الأزهر وقلبه معلق به، وكان يتمنى أن يرزقه الله طفلا يستكمل به ما فاته من الدراسة حتى رزقه الله بابنه «عبدالحليم»، فألحقه والده بكتاب القرية حتى حفظ القرآن الكريم كله فى وقتٍ قصيرٍ، ثم ألحقه والده بالأزهر الشريف عام 1923م تحقيقًا للأمل الذى كان يصبو له، وتنقل بين حلقاته، ولما أنشئ معهد الزقازيق الدينى الأزهرى بالشرقية سنة 1925م ألحقه والده به، وفى الزقازيق تم افتتاح معهد مسائي للمعلمين فتهافت عليه طلبة معهد الزقازيق، حيث رأوا فيه فرصة سانحة لاختصار سنوات الدراسة الطويلة بالأزهر، والحصول على عمل مدرس بالمدارس الأولية في زمنٍ قصيرِ فالتحق الطالب «عبدالحليم» ومعه كثير من زملائه بمعهد المعلمين، ولم يترك دراسته بالمعهد الدينى، بل جمع بين الدراستين ونجح في المعهدين، ووصل إليه خطاب تعيينه مدرسًا ولكن والده رفض قبول هذا التعيين، لأنه كان يعد ابنه لمستقبل أفضل، وعاد الإمام «عبدالحليم» إلى الأزهر لتحقيق ما يصبو إليه والده حتى أكمل دراسته وحصل على الشهادة العالمية سنة 1932م ثم سافر إلى فرنسا لاستكمال تعليمه على نفقته الخاصة، ونجح في الحصول على درجة الدكتوراه في التصوف الإسلامى عن «الحارث المحاسبي» في سنة 1940م.
شيخاً للأزهر
وبعد عودته إلى مصر عمل مدرسًا لعلم النفس في كلية اللغة العربية وتدرج في مناصبها العلمية حتى عين عميدًا للكلية سنة 1964م ثم اختير عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية، ثم أمينًا عامًا له، ثم اختير وكيلًا للأزهر سنة 1970م ثم وزيرًا للأوقاف وشئون الأزهر حتى مارس 1973م ثم صدر قرار بتعيينه في منصب شيخ الأزهر في 22 صفر 1393هـ الموافق 27مارس 1973م . أما العمدة أحمد محمد صالح نجل شقيقة الإمام الأكبر الراحل فيقول: إن خالى الإمام كان غيورًا على دينه ولم يكن يهتم بمنصب، فخلال توليه مشيخة الأزهر وتحديدًا عام 1974م صدر قرار الرئيس «السادات» بتنظيم شئون الأزهر تضمن الحد من صلاحياته، حتى اعتبره الإمام عبدالحليم محمود تدخلًا من الرئاسة في شئون الأزهر ومحاولة لتقليص دوره والمشيخة واختصاصاتها ومنحها لوزارة الأوقاف، فما كان منه إلا أن تقدم باستقالته احتجاجًا على هذا التدخل في الأول من أغسطس 1974م للرئيس السادات، لأنه ينال من مكانة المشيخة والأزهر ويعوقه عن أداء رسالته، وبالفعل عزف عن الذهاب لمكتبه ورفض استلام راتبه وطلب تسوية معاشه، فما كان من الرئيس السادات إلا أن تراجع معيدًا الأمر إلى نصابه الصحيح، ومقرًا لحق المشيخة وشيخها في كل ما يتعلق بالشئون الدينية وعلوم الإسلام ودراسته، وذلك إجلًالا لقدر الشيخ عبدالحليم محمود ومكانته، ولأنَّ الاستقالة وقتها كان لها مردود قوى ورد فعل شديد، أيضًا فإنَّ الإمام رحمه الله كان قد انتفض ضد قانون الأحوال الشخصية ورفضه تقييد الطلاق ومنع تعدد الزوجات وتأكيده أنه لا قيود على المسلم إلا ضميره وتعاليم دينه ولم يهدأ حتى ألغي القرار. ويضيف نجل شقيقة الإمام: أيضًا لا يمكن أن ننسي موقفه المشرف عقب اندلاع حرب أكتوبر، حيث هبَّ إلى منبر الأزهر ليلقي خطبته الشهيرة مناشدًا جموع المواطنين والحكام من عربٍ وغيرهم الالتفاف والتوحد، مؤكدًا أنَّ الحرب ضد العدو الصهيونى حرب في سبيل الله.
رؤية الرسول 
وذكر د. أحمد عمر هاشم قبل رحيله أنَّ الشيخ عبدالحليم محمود قبيل حرب رمضان المجيدة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام يعبر قناة السويس ومعه علماء المسلمين وقواتنا المسلحة، فاستبشر خيرًا وأيقن بالنصر، وأخبر الرئيس «السادات» بتلك البشارة واقترح عليه أن يأخذ قرار الحرب مطمئنًا إياه بالنصر ثم لم يكتف بهذا، بل انطلق عقب اشتعال الحرب إلى منبر الأزهر الشريف وألقى خطبة توجه فيها إلى الجماهير والحكام، مبينًا أن حربنا مع إسرائيل هى حرب في سبيل الله، وأنَّ الذى يموت فيها شهيد وله الجنة، أما من تخلف عنها ثم مات فإنه يموت على شعبة من شعب النفاق، وقد تطرَّق إلى تلك الواقعة د. محمود جامع أيضًا فى كتابه»كيف عرفت السادات» حين كتب قائلًا: « لاننسى أنه- أى الشيخ- بشَّرنا بالنصر في أكتوبر 73 عندما رأى حبيبه رسول الله عليه الصلاة والسلام في المنام وهو يرفع راية الله أكبر للجنود ولقوات أكتوبر» 
ويعود حفيده (حسين) إلى الحديث قائلًا: إنَّ جده الشيخ عبدالحليم محمود – رحمه الله- كان جسورًا في الحق وفى المرابطة على مايراه صوابًا وعاش حياته كلها من أجل فكرته التى لم يتزحزح عنها قيد أنملة، واصطدم بالسلطة والمسئولين بسبب آرائه ومواقفه وأحرجهم تارة أخرى، ولم يخف زوال منصب أو ذهاب جاه، واستحضر قول الله عز وجل» أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين».ويضيف : لقد كانت حياة الإمام جهادًا متصلًا وإحساسًا التى يحملها على عاتقه، ولم يركن إلى اللقب الكبير الذى يحمله ولا إلى جلال المنصب الذى يتقلده وكان يتحرك في كل مكان خدمة للإسلام والمسلمين، فكان المسلمون يقابلونه مقابلة الملوك والرؤساء، وقد احتشدت جموع المسلمين في الهند وباكستان وماليزيا وإيران والمغرب وكافة البلاد لاستقباله عن حب وطواعية، وكان هؤلاء ينظرون له على أنه إمام المسلمين ورمز الإسلام الروحى، ولذلك كان قلب الإمام يخفق لكل مشكلة تحدث في العالم الإسلامى ويتجاوب مع كل أزمة تلم ببلدٍ إسلامى، فقد أصدر بيانًا بشأن الأحداث الدامية والحرب الأهلية في لبنان ودعا الأطراف المتنازعة إلى التوقف عن إراقة الدماء، وأهاب زعماء العرب والمسلمين للمسارعة في معاونة لبنان على الخروج من أزمته، ولم يكتف بذلك بل أرسل برقية للأمين العام لجامعة الدول العربية يناشده العمل بحسمٍ وعزمٍ على وقف نزيف الدماء الذى أسالته المؤمرات المعادية على أرض لبنان.
الإصلاح عند الإمام
ويقول د. عبد السلام الحسينى هاشم حفيد الإمام لابنته إنَّ بوادر الإصلاح بدت واضحة في سلوك الإمام عبدالحليم محمود بعد توليه أمانة مجمع البحوث الإسلامية الذى حلَّ محل جماعة كبار العلماء، وعمل على تكوين الجهاز الفنى والإداري للمجمع من رجال الأزهر وتجهيزه بمكتبة علمية ضخمة استغل في تكوينها صداقاته وصلاته بكبار المؤلفين والباحثين وأصحاب المروءة، وعمل على توفير الكفايات العلمية التى تتلاءم ورسالة المجمع العالمية، ثم عنى بمكتبة الأزهر الكبري ونجح في تخصيص قطعة أرض مجاورة للأزهر لتقام عليها. وأثناء توليه وزارة الأوقاف عنى بالمساجد عناية كبيرة فأنشأ عددًا منها وضم عددًا كبيرًا من المساجد الأهلية وجدد المساجد التاريخية الكبري مثل جامع عمرو بن العاص أقدم مساجد أفريقيا وأنشأ بمساجد الوزارة فصولًا للتقوية لطلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية، ورأى أنَّ للوزارة أوقافًا ضخمة ترد ملايين الجنيهات أخذها الإصلاح الزراعى لإدارتها لحساب الوزارة، فلم تعد تدر إلا القليل، فاستردها من وزارة الإصلاح الزراعى، وأنشأ هيئة كبري لإدارة هذه الأوقاف لتدر خيراتها من جديد، وعلم أنَّ هناك أوقافًا عدت عليها عليها يد الغصب أو النسيان نعمل على استرداد المغتصب وإصلاح الخراب.
أما الحفيد الأصغر  د. عبدالحليم محمود نجل العمدة محمود أحمد صالح ابن شقيقة  الإمام والذى سمى على اسم جده، فيضيف قائلًا: إنه شرف لي أن أنتسب إلى الإمام الأكبر عبدالحليم محمود، فهو جدى وخال والدى، وعن المعاهد الأزهرية في عهده، فقد تولى الشيخ عبدالحليم محمود مشيخة الأزهر في وقت اشتدت فيه الحاجة لإقامة قاعدة عريضة من المعاهد الدينية التى تقلص عددها وعجزت عن إمداد جامعة الأزهر بكلياتها العشرين بأعداد كافية من الطلاب، وهو الأمر الذى جعل جامعة الأزهر تستقبل أعدادًا كبيرة من حملة الثانوية العامة بالمدارس وهم لايتزودون بثقافة دينية وعربية تؤهلهم أن يكونوا حماة الإسلام.
ويعد الإمام الأكبر عبدالحليم محمود صاحب ورائد مدرسة الفكر الإسلامى والتصوف في العصر الحديث ولقب بأبي التصوف في العصر الراهن، وعن فكر الإمام يضيف حفيده د. عبدالحليم إنَّ الإمام الأكبر عبدالحليم محمود اتسم بغزارة نتاجه الفكري الذى يزيد على مائة كتاب تأليفًا وتحقيقًا وترجمة، وكان أول ما نشر له قصة ترجمها عن الفرنسية من تأليف « أندريه موروا» عام 1946م ثم تتابعت مؤلفاته الغزيرة في كثيرٍ من المجالات خاصة في مجال التصوف الذى يعد من أسبق رواده في العصر الحديث، فقد تبدى مثالًا للصوفية المقيدة بكتاب الله البعيدة عن الإفراط والتفريط حتى لقب بغزالى مصر، وأبى المتصوفة.
أسرة الإمام
رزق الإمام عبدالحليم محمود بخمسة أبناء، اثنان من الذكور وهما د. محمد عبدالحليم محمود وعمل سفيرًا لمصر في أوروبا وبعد عودته عين وزيرًا مفوضًا بوزارة الخارجية، وهو زوج د. فايزة محمد حسين هيكل، ود. منيع عبدالحليم محمود أستاذ التفسير وعلوم القرآن وعميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف، وهو نفس المنصب الذى تولاه والده الإمام الأكبر سابقاً، والحاجة فهيمة عبدالحليم محمود زوجة د. محمود بن الشريف الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف، والحاجة سناء عبدالحليم محمود زوجة د. الحسينى هاشم وكيل الأزهر الشريف، والحاجة سنية عبدالحليم محمود زوجة الشيخ سيد مصطفى عيسى من علماء الأزهر الشريف.
الخاتمة
ويختتم حفيده حسين محمد عبدالحليم محمود الحديث عن رحيل جده الأمام الأكبر قائلًا: لقد كانت حياة الشيخ رحمه الله جهادًا متصلًا من أجل صالح الإسلام والمسلمين.. وفي قمة نشاطه ورحلاته المتتابعة لتفقد أحوال المسلمين شعر بآلام شديدة بعد عودته من الأراضي المقدسة فأجرى عملية جراحية لقي الله بعدها في صبيحة يوم الثلاثاء الموافق 15 من ذى القعدة 1397هـ - 17 من أكتوبر 1978م وصلى عليه فى الجامع الأزهر، تاركًا ذكري طيبة ونموذجًا لما يجب أن يكون عليه شيخ الأزهر ليدفن في قريته «أبو أحمد» التابعة لمدينة بلبيس بالشرقية ، ونحن حريصون كل عام على إحياء ذكراه السنوية فى (12) مايو من كل عام ، حيث يحتفل به الأزهر الشريف والعالم الإسلامى سنويًا في هذا التوقيت.

 

 

ترشيحاتنا