ننشر توصيات مؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية في دورته الـ36

الرئيس السيسي خلال استقباله الوفود المشاركة في المؤتمر
الرئيس السيسي خلال استقباله الوفود المشاركة في المؤتمر

اختتمت أعمال الدورة السادسة والثلاثين لمؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، الذي انعقد على مدى يومين بالقاهرة في ٢٩  من يناير 2026، تحت عنوان: المهن في الإسلام: أخلاقياتها وأثرها، ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي.

 وجاء المؤتمر برعاية من الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، وبمشاركة أكثر من 180 شخصية علمية وفكرية من خمسين دولة، وبإسهام علمي متميز تمثل في أكثر من أربع عشرة جلسة علمية وما يزيد على مائة بحث متخصص.  

شهدت الجلسات نقاشات معمقة حول أخلاقيات المهن في الإسلام، وأثرها في بناء الحضارة، ومستقبلها في ظل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث أكد المشاركون أن العمل في الإسلام ليس مجرد وسيلة للرزق، بل رسالة حضارية تقوم على الإتقان والعدل والرحمة.  

وخلص المؤتمر إلى مجموعة من التوصيات أبرزها:

أولًا: إدماج قضايا العمل والمهن في الخطاب الديني

يدعو المؤتمر إلى إدماج قضايا العمل والمهن والإنتاج إدماجًا واعيًا في الخطاب الديني المعاصر، بحيث ينتقل من دائرة الوعظ المجرد إلى فضاء الإسهام الحضاري، ويستعيد دوره في توجيه السلوك المهني، وترسيخ قيم الإتقان، وتحويل العمل إلى عبادة، والإنتاج إلى رسالة، والعطاء إلى مسؤولية جماعية.

ثانيًا: إعادة تأصيل العلاقة بين الإيمان والعمران

يؤكد المؤتمر ضرورة إعادة بناء الصلة العميقة بين الإيمان والعمران في المناهج التعليمية، والبرامج الدعوية، والدورات التدريبية، باعتبار أن الإيمان الحق هو المحرّك الأول للبناء، وأن النهضة لا تقوم إلا على إنسان يجمع بين صفاء العقيدة، وحسن العمل، وعمارة الأرض وفق ميزان القيم والعدل.

ثالثًا: خطاب ديني منفتح على العلم والتقنية

يشدد المؤتمر على أهمية تعزيز خطاب ديني إيجابي ومتوازن تجاه العلوم الحديثة والتقنيات المتقدمة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، يبدد المخاوف غير المنهجية، ويقاوم الانغلاق، ويؤكد أن العلم أداة للتكريم الإنساني متى ضُبط بالقيم، وأن التقنية ليست نقيضًا للأخلاق بل ميدانًا لاختبارها.

رابعًا: الأخلاق شرط للاستدامة لا ترفٌ إنتاجي

يؤكد المؤتمر أن الأخلاق ليست عنصرًا تجميليًا يُضاف إلى منظومات العمل والإنتاج، بل هي شرطٌ أصيل لاستدامتها، وضمان عدالتها، واستمرار أثرها الإيجابي. فكل إنتاج ينفصل عن القيم محكوم عليه بالاضطراب، وكل تقدم يخلو من الضمير مآله التآكل والاختلال.

خامسًا: إعادة الاعتبار للبعد الإنساني في بيئات العمل
يدعو المؤتمر إلى ترسيخ البعد الإنساني في العمل، وحماية كرامة العامل، وصون حقوقه، خاصة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وتغير أنماط التوظيف، بما يضمن ألا تتحول التكنولوجيا إلى أداة تهميش، بل إلى وسيلة تمكين وعدالة اجتماعية.

سادسًا:  التوسع في الدراسات البينية وبناء التكامل المعرفي

يشدد المؤتمر على أهمية التوسع في الدراسات البينية عبر المراحل التعليمية المختلفة، بما يحقق الاستفادة من التخصصات المهددة بالتراجع بفعل تطورات الذكاء الاصطناعي، ويعزز التمازج البنّاء بين العلوم الشرعية، والإنسانية، والتطبيقية، لصناعة معرفة متكاملة قادرة على مواكبة المستقبل.

سابعًا: تشبيك الجهود العالمية لضبط أخلاقيات الذكاء الاصطناعي

يدعو المؤتمر إلى تشبيك الجهود الدولية للتوافق على ضوابط ومعايير أخلاقية جامعة تحكم توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، بما يحقق العدالة، ويحفظ الخصوصية، ويصون القيم الإنسانية المشتركة، بعيدًا عن الهيمنة أو الاستغلال.

ثامنًا: تعزيز التعاون الدولي من أجل تنمية مستدامة ومسؤولة

يوصي المؤتمر بتعزيز التعاون الدولي، على المستويين الحكومي وغير الحكومي، لتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد، واحتواء الأثر الكربوني المتنامي لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، بما يوازن بين الابتكار التقني، والمسؤولية البيئية، وحق الأجيال القادمة في مستقبل آمن وعادل.

تاسعًا: إصدار الدليل الإرشادي للموظف والعامل

يوصي المؤتمر بإصدار الدليل الإرشادي للموظف والعامل، بوصفه مرجعًا عمليًا يربط بين القيم الأخلاقية، والمسؤوليات المهنية، ومتطلبات الواقع المعاصر، ويُسهم في بناء ثقافة مؤسسية قائمة على النزاهة، والانضباط، والاحترام المتبادل.

عاشرًا: إطلاق حملات توعوية وبرامج تدريبية واسعة النطاق

يدعو المؤتمر إلى إطلاق حملات توعوية ودورات تدريبية متخصصة لترسيخ أخلاقيات المهن في المصانع، والنقابات، والمؤسسات الإنتاجية، ووسائل الإعلام، بما يضمن وصول الرسالة الأخلاقية إلى مواقع التأثير المباشر، وتحويل القيم إلى ممارسات يومية ملموسة.

حادي عشر: لجنة دائمة لمتابعة التنفيذ وتقييم الأثر

يوصي المؤتمر بتشكيل لجنة علمية وتنفيذية لمتابعة توصياته، واستكمال المقترحات ذات الصلة، ووضع آليات للتنفيذ المرحلي، وقياس الأثر المجتمعي، بما يضمن ألا تبقى التوصيات حبيسة الوثائق، بل تتحول إلى سياسات ومبادرات فاعلة.