صنائع كتابةِ المصاحفِ.. دراسة للدكتور محمد كحيلة تؤرخ للفن الإسلامي المجهول!

د. محمد كحيلة رئيس مجلس إدراة مؤسسة "كحيلة" للدراسات القرآنية
د. محمد كحيلة رئيس مجلس إدراة مؤسسة "كحيلة" للدراسات القرآنية

تُعدُّ صناعة المصحف من أهم الصنائع في التاريخ الإسلامي مثل بناء المساجد
كان الخطاطون يتبارون في تحسين الخط ليظهر القرآن في أبهى صورة
دلالاتُ ألفاظِ القرآن من العلوم التي شملها المصحف المخطوط بيانًا للقرآن والبعد عن الوهم
من العلوم الخادمة علمُ الترميزِ للضبط والوقف والابتداء والعدّ والقراءات وأحكام التجويد


شرَّفَنا الله بمعجزة خالدة، فيها من الجمال ما يُريح النفوس، ومن الإعجاز ما يغذِّي العقول، ومن البيان ما يَسحَر القلوب، كيف لا وهو كلام الله الخالد، القديم، الباقي، الذي عجزت الجنُّ والإنس عن أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا؟!
مرَّ القرآن الكريمُ على قرون وأحداث عظام؛ كما مرَّ عليه أجيال وأجيال، وفتن وفِرَق، وحروب وأعداء، ومكر وتزييف، وطمس واحتلال، وضعف وهوان، ومع هذا لم يتأثَّر أو يتغيَّر أو يتبدَّل أو يُطمَس أو يُنسى، لحفظِ الله له من أوَّل يوم نزل فيه.. قال الله لنبيِّه: "سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ"، وقال: "لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ، إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥوَقُرۡءَانَهُۥ"، وفي المقابل قال لمن أراد أن يعبث أو يمكر به: "إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ".

يقول د. محمد الدسوقي كحيلة رئيس مجلس إدراة مؤسسة "كحيلة" للدراسات القرآنية: جمعتُ في كتاب "صنائع المصحف.. الكنز الثمين في رصد مئات الصنائع والسنن لإعداد وكتابة القرآن الكريم" ما يُبرزُ صنيعَ الله من الأسباب وما هيَّأه لحفظ كتابه العظيم، من صنائعَ وسنن جرت بتسلسل؛ كانت خادمة وحارسة لكلام الله عزَّ وجل، بداية من الأيادي الطاهرة التي ورَّقت وحبَّرت ونَسَخَت وراجعت وزخرفت وجلَّدت، إلى هؤلاء العلماء الذين طوَّروا الخطَّ والضبط واصطلحوا وقعَّدوا ورمَّزوا، وأدخلوا في كتاب الله ما يُعين المسلم على قراءته وفهمه.
صناعة المصحف
ويوضح د. كحيلة أن صناعة المصحف الشريف تعد من أهم الصنائع في التاريخ الإسلامي، شأنها شأن بناء المساجد وغيرِها؛ لما فيها من الامتثالُ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتابته، والحفاظ عليه، والارتباط بتلاوته وحفظه، مشيرا إلى أن السُّنَن والعادات التي حملها تاريخ المصحف الشريف لقرون شاهدة على عظمة هذه الأمة، وحرصها على كتابها، كيف لا وقد قال الله: "إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ"، وشرَّفَ الله من وضعَ لبنة في هذا البناء الذي لم يسقط منه حرف، بل ولا حركة، وقد كانوا قديمًا يُنَبِّهون على هذه السنن في رسائلهم وكتاباتهم؛ لينتبه إليها القارئ، وكانت تسمى: الإشارات في القرآن الكريم، أو الرموز المستخدمة في المصحف الشريف؛ مما يتعلق بالضبط والتجويد والقراءات والوقف والعدِّ ورسم المصحف، وعلامات الأعشار والأخماس والأحزاب والأنصاف والأجزاء، وكانت دلالاتُ ألفاظِ القرآن الكريم من العلوم التي شملها المصحف المخطوط كذلك بيانًا للقرآن والبعد عن الوهم.
ويشير د. كحيلة الى أنه لا بد من التفرقة بين المصحف وعلوم المصحف المخطوط؛ فالمصحفُ هو كلام الله تبارك وتعالى، المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، المقروء، المكتوب بين دفَّتَيْنِ، أما علوم المصحف فهي العلوم الزائدة التي دخلت على كتاب الله عز وجل، وكذلك دراسة المصاحفِ المخطوطة وخصائصها الفنيَّة، والعلومِ الإرشاديةِ التي شملها المصحف، ولا تُتْلى؛ كالضبط والعدِّ والوقف والتقسيم والترميز وغيرها، ودراسة ظواهر ما يتلى؛ أي: دراسة ظواهر الرسم العثماني، وأما فقه المصاحف فيُقصَد به: الأحكام الفقهية المتعلِّقة بالمصاحف، ككتابة المصحف الشريف، وأخذ الأجرة عليه، وطريقة إخراجه من حيث الرسم والضبط وورود العلوم الإرشادية فيه، وأحكام بيعه وشرائه، ومسِّه، وتذهيبه وتلوينه وزخرفته وتطييبه، ومواد كتابته، وكوديكلوجيتها، إلى غير ذلك من أحكام.
دراسة الرسم 
ويرى د. محمد أنه لا بدَّ من دراسة كلِّ السنن والصناعات التي وُجِدت في المصحف المخطوط، إذ من الواجب نبحث بعمقٍ في كلِّ علم من علومه الأساسية والمصاحبة والخادمة؛ لأسباب كثيرة، ومنها: أن نعرف أيُّ العلوم صاحبت المصحف لقرون، ومعرفة أسباب اختيارها والموانع والمستحبات والمكروهات منها؛ وأنَّ هذه الدراسة تخدم جانبَ التاريخ، والجانبَ العلميَّ والثقافي والفني لهذه الأمة؛ وأن نخرجَ من هذه الدراسات بما يخدم صنعة مصاحفنا اليوم؛ وأن نُصحِّحَ المسار؛ إذ وجب علينا أن نُقعِّد لعلومنا، ونصطلح على المصطلحات الصحيحة بدلًا من المستشرقين التائهين في شُعَبِ علومنا؛ وأنْ نضع أيديَنا على أهمِّ المراجع التي اعتمد عليها العلماء وكُتَّاب المصاحف والنساخون في كتابة المصاحف الشريفة؛ أنَّنا بمثل هذه الدراسات نعقد المقارنات بين المصادر والمصاحف، فنكتشف الغلط والزائد والناقص من العلوم؛ وأنْ نَخرُج منها بما لم يأتِ في المصادر؛ وأنَّ مثل هذه الدراسة تضع أيديَنا شيئًا فشيئًا على بعض القضايا المهمة؛ مثلا: هل رسم المصاحف توقيفيٌّ أم توفيقيٌّ؟ وكذلك عَدُّ الآي، وظواهر الكتابة وتاريخها، ونحو ذلك.


ويضيف: هناك مراحل لإعداد المصاحف؛ يكون في أول الأمر عند الوَرَّاق الذي يُجهِّز الورق لكتابة المصحف الشريف، وهو المشتغل ببيع الورق أو الكتب ونسخها في القديم، وأما بائع الورق فكان يسمى الكاغد. وقد استبدلوا الورقَ بالرَّقِّ؛ لأنَّه أغلى من الورق، فقد كتبوا أوَّل الأمر على الرَّقِّ حتى زمن الرشيد، ثم فشت كتابة القرآن على الورق، وهو الكاغد؛ لأن الجلود ونحوها تقبل المحو والإعادة فتقبل التزوير والتحريف؛ بخلاف الورق؛ فإنه متى مُحي منه فسد، ولذا كثر الكشط في المصاحف، فإن كُشِطَ بَانَ كشطه، وكان من أسباب انتشار الورق أيضًا بعد القرنين الأولين كثرة التآليف، وقد كان يُسند هذا الورقُ إلى الخطاط المصحفي، أو المصحفيِّينَ أو أصحاب المصاحف؛ كما كانوا يطلقون عليهم في زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو إلى ناسخٍ، والناسخُ خَطَّاط ماهر في فنِّ الخط، ولكن ربما لا يكون متخصصًا في كتابة المصاحف. ولم تكن هذه المهنة مقتصرة على الرجال فقط؛ بل كان هناك من النساء من يشتغلن بها، مثل: أمة الله نور العلم بنت رشيد، وقد كتبت مصحفًا سنة 1053هـ، وهو مصحف صيني، محفوظ في متحف ديفيد- كوبنهاجن- الدنمارك. وقد كانت كتابة المصاحف صناعة لبعض المهرة ومصدرًا للدخل، وقد كان المصحف في بعض الأحيان يُكْتَب بيد عالم من علماء القرآن والقراءات كذلك؛ فقد اشتغل في هذه المهنة بعض علماء القرآن والقراءات، مثل: مُلا علي القاري وغيره.
العلوم الخادمة
ويستكمل د. كحيلة: يُدفَع المصحف بعد ذلك للمراجعة؛ لإصلاح ما وقع فيه من السهو، وهذه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: "كُنْتُ أَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ إِذَا فَرَغْتُ يَقُولُ لِي: «اقْرَأْهُ»، فَأَقْرَؤُهُ؛ فَإِنْ كَانَ فِيهِ سَقَطٌ أَقَامَهُ ثُمَّ أَخْرُجُ بِهِ إِلَى النَّاسِ"، وتُعرَف قيمة المصحف مِن ناسِخِه، وذلك من خلال النظرِ في الأخطاء والسهو الواقعَينِ في المصحف، فعدد المرات الواقع فيها، ونوع الخطأ والسهو، كل ذلك يهدينا للتحليل والتحديد ومعرفة قيمة المصحف، ففي البداية ننظر في كلمات القرآن المكتوبة، ونوع الخطأ في الكتابة، ثمَّ ننظر في السهو والسقط، ونوعهما، فلو كان سطرًا أو جملتَينِ فأكثر، فغالبًا تكون عملية النسخ تمت بيد ناسخ لا بيد عالم بالقرآن، وأما سهو العلماء فيكون غالبًا في بعض الكلمات؛ فربما قرأ الكلمة بلسانه ولم يخُطَّها بيمينه، أو يكون السهو بسبب سَبْق النظر؛ وغالبًا نرى السهو من العلماء في المتشابهات؛ وأخطاء الضبط والسهو في المصحف، يكون أكثرَ من غيره؛ لكثرة علاماته؛ كالإظهار، والإدغام بأنواعه، والإخفاء، والإقلاب، والمد والقصر، والهمزات بأنواعها، وغيرها من أصول الرِّوايات، يقع فيها الخطأ كثيرًا، أما إذا كان التصحيف في الإعراب فغالبًا ما يكون من ناسخ غير عالمٍ بالقرآن أو القراءات. 
ويعدد د. محمد في كتابه أهم العلوم الخادمة التي كثرت في المصاحف، والتى منها علمُ الترميزِ، وقد رُمِّزَ الضبط، والوقف والابتداء والعدُّ، والقراءات، وأحكام التجويد، وعلمُ القراءات، سواء أكان المصحف على قراءة واحدة براوييها، أو أكثر من قراءة، ويتجلى الجمال في بيان أسماء السور، وهذا العلم يُؤخذ من المصادر، مشيرا الى أن المصحف بعد ذلك يمر بالمرحلة الثالثة وهي المراجعة، وتكون بيد الكاتب نفسه، أو يسند الأمر لعالم آخر، وتظهر قيمة المصحف من قلَّة الكشط والتصويب والاستدراكات الكتابية، وأخيرًا يُدفَع المصحف إلى المزخرِف، وكأنه مُخرِجٌ يُخرِجُ عملًا متكاملًا؛ إذ يُشرِف على أدقِّ تفاصيله الزخرفية والكتابية؛ من طريقة الإخراج، والتلوين، وملء الفراغات، إلى التجليد، وكانت هناك صنعة منفصلة وهي المجلِّد.
المصاحف العثمانية
وتطرق الكتاب الى الرسم الذي هو الصورة الكتابية والأشكال المعبِّرة عن اللفظ القرآني، والرسم في المصاحف على أنواع؛ وهي كالتالي: الرسم العثماني: وهو علم يُعرَف به مخالفات خط المصاحف العثمانية لأصول الرسم القياسي، والرسم الإملائي، وهو ما طابق فيه الخطُّ اللفظَ، والرسم التوافقي: وهو بين العثماني والإملائي، فيلتزم ببعض الظواهر العثمانية ويترك بعضها، مؤكدا أن الضبط وسننه وصنائعه، هو أميز ما في المصحف؛ لارتباطه بوجه القراءة الصحيحة؛ فهو مُكمِّل للرسم، وفيه من السنن الكثير والكثير، وتعددت فيه المذاهب والمشارب، وارتبط الضبط بالتجويد في المصاحف؛ لأن غرض التجويد هو صَون اللسان وتحسين التلاوة، وهو غرض الضبط كذلك، والوقف والابتداء، هو من العلوم الأساسية في المصحف الشريف، ولم يكن موجودًا في المصاحف الأولى حتى نهاية القرن الثالث، وقد تعددت سننه وصنائعه، واختلفت المصاحفُ المخطوطةُ مذهبًا ومشربًا في إلحاقه بالمصحف، وقد تطوَّرت سننه بداية من اختيار مذهب بعينه، وارتبط الوقف والابتداء بالترميز، فلم أرَ مصحفًا كتب نوعَ الوقف باسمه صراحة، وارتبط الوقف والابتداء كذلك بالتلوين، فجاء بعض المصاحف على بيان رموز الوقف والابتداء بالتلوين، وغالبًا كان بالحمرة.
ويشير الكتاب الى أن التقسيم أو التجزئة، يعتبر من العلوم الأساسية التي دخلت في المصحف الشريف، ولا بدَّ من التفرقة بين التجزئة والتقسيم؛ فالتجزئة تعني: تقسيم القرآن إلى أنصاف وأحزاب وأجزاء وأخماس وأسداس وأسباع وأثمان وأتساع وأعشار، أما التقسيم فأعمُّ؛ لأنَّه يشمل التجزئة التي هي للحفظ والمساواة النسبيّة، ويشمل كذلك مقاطع التلاوة التي تصحُّ أن تكون أجزاء للركعات، أو أورادًا للصلوات الخمس، وأوَّل ظهور للتجزئة أو التقسيم كان في الطبقة الأولى من الصحابة والتابعين، ولم يكن له ظهور في المصاحف حتى بداية القرن الثاني ثمَّ ظهرت التجزئة بعد ذلك، وتعددت سننها وصنائعها، واختلفت في المصاحف مذهبًا ومشربًا، ويُعرف المصحف من تجزئته.
المتشابه والمحكم 
ويضيف الكتاب: أن علم العد الذي هو بيان عدد آيات كل سورة، وبيان رؤوس آياتها وارتبط بأئمة القراءات، وهو: العدُّ المدني الأول والثاني، والمكي، والدمشقي، والكوفي، والبصري. وهو يعدُّ من أوَّلِ العلوم الأساسية التي دخلت على المصحف الشريف؛ وتعددت السنن والصنائع في هذا الباب، وارتبط هذا العلم بالزخرفة، التى أدت دورًا كبيرًا في بيان العدد ورؤوس الآي سواء داخل النص أو خارجه. وارتبط أيضا بالترميز، موضحا أن الكلمات الزائدة المكتوبة في النصِّ، ولكن بشكل يُميّزها عن نص القرآن، هي من الصنائع التي جاءت بكثرة في القرون المتأخرة، وهو بيان ما كان مبهمًا بلفظ صريح؛ إذ لا تُغني علامات الضبط عن البيان، وقد استغنت كثير من المصاحف عن هذا النوع من الزيادات بقاعدة مشهورة، وهي: ترك العلامة يُوجب السؤال، بمعنى: ما كان مبهمًا لا يُميَّز بالكلمات أو كتابة شرح؛ بل بالإهمال، والإهمال والترك يدفعُ القارئ للسؤال.
ويرى د. محمد في كتابه أن من العلوم التي صاحبت المصحف، ليست أساسية في المصحف الشريف، نحو: بيان معاني كلمات القرآن، والتفسير، والقراءات، والترجمة، وبيان أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والمتشابه والمحكم، والمتشابهات اللفظية، والترتيب، والمكي والمدني، وماءات القرآن، والمبهمات، وبيان معاني الحروف، وإعراب القرآن، وغير ذلك، وهذه العلوم جاءت بكثرة في المصحف المخطوط من بداية القرن السادس والسابع حتى ظهور المطابع، وغالبًا لا تُسمَّى هذه المصاحف بالمصحف الشريف أو القرآن الكريم، بل تسمى مثلًا "بتفسير البيضاوي على هامش المصحف"، أو "الجلالين على المصحف"، وارتبطت هذه العلوم بالتلوين والزخرفة والترميز وطريقة إخراج المصحف والخطوط.
الأشكال الزخرفية
ويوضح الكتاب أن الترميز يعد من الصنائع والسنن الموجودة بوفرة في النص القرآني، وارتبط غالبًا بمعظم العلوم، بداية من الضبط ورموزه، وأحكام التجويد وبيان القراءات، ورموز الوقف والابتداء، ومعاني الحروف، وبيان العدد، واختلافات العدد، والتقسيم والمقاطع، وبيان حروف الفواصل، وقد اطلعت على كثير من المصاحف التي رمّزت لذكر النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكذلك التلوين، يعتبر أوَّل الصنائع والسنن التي دخلت على المصحف الشريف، وسُمِّي بالتحمير؛ نظرًا لاستخدام اللون الأحمر فقط فيه، وكان من فعل أبي الأسود الدؤلي، واستخدمه لبيان الحركات، ثم توسَّعوا في استخدام التلوين؛ لبيان نوع الهمزات، وتمييز همزات القطع عن الوصل، ثم دخل التلوين في الزخارف والإطارات وبطاقات السور والتقسيم، وغير ذلك، وارتبط التلوين بجميع العلوم ما عدا الرسم، فاستُخدِم للضبط، وقد أوجبه بعض العلماء قديمًا؛ ليتميَّز الضبط عن الرسم، وقد جاءت بعض المصاحف بما يزيد على عشرة ألوان، وغالبًا ما يكون ذلك في مصاحف القراءات، فجاء كل قارئ بلون مختلف؛ لتتميز القراءات عن بعضها.
ويضيف: الزخرفة، تعدُّ من الأمور التي دخلت على المصحف الشريف، وتميّزت المصاحف عن جميع الكتب بهذا النوع من الفنِّ، ولقد ارتبط ذلك بطريقة الإخراج، والإطارات، وبطاقات السور، والزهرات الداخلية والخارجية التي كانت للتخميس والتعشير، والزخارف التي جاءت خارج النصِّ لبيان السجدات والقراءات والتجزئة والتقسيم، وبدايات الأجزاء، والسَّرْلَوْحة، والتقييدات، والختمات والفهرس، والمقدمات والنهايات، وقد تعددت الأشكال الزخرفية فلم تُحصَر في شكل واحد؛ فاستُخدمت المستطيلات والمربعات والدوائر وأشباه الدوائر والمعيّنات والقناديل، وجلّها نباتية؛ لغرض إدخال الراحة على نفس القارئ، وقد أبدعَ المزخرفون في البدايات قبل الدخول في النصِّ؛ لتهذيب النفوس التالية لكتاب الله. وقد رأيت عدَّةَ مصاحف تستخدم الزخارف النباتية داخل النص؛ بغرض قفل السطر وإدخال الجماليات الفنيّة في النصِّ، واختفى هذا الأخير من مصاحفنا اليوم؛ لعدم الحاجة إليه.
سنن الإخراج
ويتحدث الكتاب عن سنن وظواهر الخط، والمعلومٌ أنَّ أول الخطوط التي كُتِبت بها المصاحف الخط الحجازي، ثم الكوفي، وتطورت الخطوط تطوُّرًا كبيرًا على يدِ علماء أفذاد، وأولهم ابن مُقْلة، ثم كان ابن البواب، وكان بعدهما ياقوت المستعصمي، وأخيرًا أبدع العثمانيون في كتابة المصاحف، وابتكار خطوط أخرى، وتحسين الموروث، فكان الديواني، والديواني الجلي، وقد كان الخطاطون يتبارون في تحسين الخط؛ ليظهر القرآن في أبهى صورة، ولم يكن التحاسن بين الكبار فقط؛ بل كان يُقامُ بين الطلاب في الكتاتيب، وتعددت صنائع الخط وسننه، وأبدع الخطاطون في ذلك؛ وتفنَّنوا في كتابة النصِّ، وأسماء السور، وما يدخل على النص القرآني من علوم أساسية أو مصاحبة، وكان المصحف سببًا في تطور الخطوط وليس العكس.
ويشير إلى أن من أهم الصنائع في المصاحف المخطوطة سنن الإخراج وصنائعها، وقد تعددت وفاقت العلوم الأساسية والإضافية بكثير، والمقصود بها هو الْمُخْرجَ النهائيّ للعمل، يعني: الورق أو ما يقوم مقامه كالجلد وغيره، والأحبار، والنصّ، والتجليد، والتلوين، والزخرفة، والخطوط، والتقييدات، والتذهيب وما يقوم مقامه كالتفضيض، ومراجعة النص، والعلوم التي تضاف، والترميز، إلى غير ذلك، وكذلك تحديد عدد الأجزاء، أو الربعات، وقفل الصفحات بالآيات أو عدمه، ونوع المصحف، وكيفية توظيف التلوين، ومن أهم صنائع الإخراج: بيان قيد الختام، وهو تقييد في آخر المصحف يُؤذِن بنهايته، وله أشكال هندسية عديدة، ويُذكَر فيه: بيانات الناسخ كاسمه، واسم المنسوخ له، ومكان النسخ، وزمانه، ويسمَّى قيد الفراغ كذلك. واشتهر أيضًا قيد الوقف.
ويختم د. محمد كتابه: كشَّفْتُ عن الصنائع التي وُجِدت في المصادر ولم أعثر عليها في المصاحف، وقد قرأت عدة سنن وصنائع في عدد من المصادر ولكن لم تقع عليها عيني؛ ربما لعدم توفر عدد كبير من المصاحف لي أثناء الدراسة، وربما لم أنتبه لها. وختمت بكشَّافين؛ أوَّلهما: المتروك والمكروه من الصنائع، وهي الصنائع التي يُكره فعلها الآن، وأبرزها تقسيم الكلمة على سطرين، أو على صفحتين، أو التصغير وهو كتابة القرآن بحجم لا يُرى ولا يُميَّز بالعين المجرَّدة، وكأنه تميمة تَحفَظ الإنسان من الشيطان. وختمت بالصنائع العامة المستحب فعلها في المصاحف، والأَوْلى أن نحافظ عليها ولا نحيد؛ تقديسًا للنص القرآني، وسدًّا للذرائع، وتفاديًا لدخول التزييف على كتاب الله عزَّ وجل.